الرئيسية مقالات وآراء
عَوْدة إلى الجدار الحديدي
الإثنين, 16 يناير, 2012, 09:51 بتوقيت القدس
خيري منصور

شاعر وكاتب أردني
حين أصدر أفي شلايم كتابه الشهير والفاضح للعزلة الصهيونية بعنوان “الجدار الحديدي” ووجه باستنكار من العناصر الراديكالية والليكود، لكنه أيضاً وجد صدى لا بأس به لدى من يعترفون من اليهود بأن الصهيونية حولت الدولة العبرية إلى غيتو من طراز جديد، ومنذ ذلك السجال لم ينقطع بعض المثقفين اليهود عن الإلحاح الدرامي على موضوع العزلة، لهذا لا يشذ ما كتبه ناتي شاروني في “معاريف” وهو لواء احتياط عن تلك القاعدة أو ما تحول بمرور الوقت وترسيخ مفاهيم العزلة إلى قاعدة .
وما جاء على لسان ناتي شاروني ليس اعترافاً فقط بالعزلة التي تعيشها تل أبيب على الصعيد السياسي، إنه إدانة لحكومة متطرفة أوصدت الأبواب والنوافذ معاً فشح الهواء في دولة تعيش داخل علبة حديدية، ويبدو أن استراتيجية تصدير الأزمات قد انتهت إلى تكرار عقيم، ولم يعد الوتر الأمني وحده وسياسة الترويع من العرب والمسلمين يستجيب برشاقة للأصابع التي تعزف عليه .
وحسب الكثير من التعليقات التي تنشر في الصحف العبرية عن أزمة نتنياهو الداخلية، فإن افتعاله لحرب أو اجتياح لقطاع غزة مثلاً، لن يكون سوى محاولة يائسة للهروب إلى أمام لأن من شأن أي فرار كهذا أن يضاعف من العزلة الدولية، وبالتالي ترسيخ الصورة القبيحة للاحتلال، فقد بلغ الأمر ببعض المثقفين اليهود حداً يعتبر تحولاً نوعياً في وعي الصراع العربي الصهيوني، وهناك كتّاب مثل عكيفا الدار يرون أن من يعاني من الاحتلال هو اليهودي الأسير في المشروع الصهيوني، فهو يجد نفسه بعد أكثر من ستة عقود حائراً ومحاصراً بأسئلة وجودية أكثر مما هي سياسية حول مستقبل أبنائه . فالدولة التي تحولت بسبب فائض الخوف والإفراط في استخدام الأمن إلى ثكنة واسعة أو مستوطنة كبرى، لن تكون حاضنة نموذجية لأجيال من اليهود، لأنها حولت الخوف إلى ميراث ولشدة ما حذرت اليهود منه، أصبحوا يعانون من خوف آخر هو الخوف من أن يخافوا، وهذا ما عبرت عنه روائياً الكاتبة يائيل دايان في روايتها “طوبى للخائفين” .
لكن العزلة التي تزداد كما يصفها “ناتي” لن تتوقف عند حدود معالجة الخطأ بالخطيئة بل سينعدم معها الأفق، ويتفاقم الشعور بالقلق والحيرة إزاء سياسة من طراز إسبارطي عجيب، تعالج الخوف بالهلع والذعر وتعالج العزلة بمزيد من الجدران .
فالأزمات المحلية في الدولة الصهيونية لم تعد قابلة للانفراج ولو مؤقتاً من خلال التصدير أو افتعال حروب واجتياحات خصوصاً بعد أن فقدت تل أبيب ما كانت تتصور أنه بوليصة تأمين ضد الهزيمة سواء في لبنان أو غزة .
لقد سعت حكومة نتنياهو الحالم بريادة ثانية للصهيونية إلى تجميل صورتها في العالم، لكنها سرعان ما عادت إلى قواعدها غير سالمة على الإطلاق، لأنها رأت بأم العين أن صورتها شائهة، وأنها باتت تقترن بآخر احتلال في عالمنا، والدول على اختلاف أنماطها قد تضطر إلى التحول إلى ثكنات لبعض الوقت ولأسباب قاهرة، لكن أن تتحول دولة بكل مكوناتها وشرائحها إلى ثكنة فذلك أمر لابد أن يوصلها إلى أفق مسدود لأنها رهينة أيديولوجيا تحكمها الخرافة، ولا تتغذى من التاريخ أو ترتكز عليه، والمفارقة أن تسليحها بسخاء والانحياز إليها بقوة، كما تفعل الولايات المتحدة قد يكون دفعاً لها إلى الوراء والتقهقر، بحيث تنتحر بما أعدته لنحر الآخرين .
إن الكلام عن عزلة تل أبيب دولياً لم يعد مقتصراً على مقالة هنا أو تعليق هناك فهو الآن مناخ مبثوث في الأجواء، ومن لا يعترف بهذه العزلة صراحة يوحي بها، لأن تجاهلها لم يعد ممكناً، والدولة التي وصفها شلومو برايخ بأنها تركض من نصر عسكري إلى آخر نحو هزيمتها هي ذاتها التي تحاول معالجة الخطأ بالخطيئة .
المصدر: دار الخليج
وما جاء على لسان ناتي شاروني ليس اعترافاً فقط بالعزلة التي تعيشها تل أبيب على الصعيد السياسي، إنه إدانة لحكومة متطرفة أوصدت الأبواب والنوافذ معاً فشح الهواء في دولة تعيش داخل علبة حديدية، ويبدو أن استراتيجية تصدير الأزمات قد انتهت إلى تكرار عقيم، ولم يعد الوتر الأمني وحده وسياسة الترويع من العرب والمسلمين يستجيب برشاقة للأصابع التي تعزف عليه .
وحسب الكثير من التعليقات التي تنشر في الصحف العبرية عن أزمة نتنياهو الداخلية، فإن افتعاله لحرب أو اجتياح لقطاع غزة مثلاً، لن يكون سوى محاولة يائسة للهروب إلى أمام لأن من شأن أي فرار كهذا أن يضاعف من العزلة الدولية، وبالتالي ترسيخ الصورة القبيحة للاحتلال، فقد بلغ الأمر ببعض المثقفين اليهود حداً يعتبر تحولاً نوعياً في وعي الصراع العربي الصهيوني، وهناك كتّاب مثل عكيفا الدار يرون أن من يعاني من الاحتلال هو اليهودي الأسير في المشروع الصهيوني، فهو يجد نفسه بعد أكثر من ستة عقود حائراً ومحاصراً بأسئلة وجودية أكثر مما هي سياسية حول مستقبل أبنائه . فالدولة التي تحولت بسبب فائض الخوف والإفراط في استخدام الأمن إلى ثكنة واسعة أو مستوطنة كبرى، لن تكون حاضنة نموذجية لأجيال من اليهود، لأنها حولت الخوف إلى ميراث ولشدة ما حذرت اليهود منه، أصبحوا يعانون من خوف آخر هو الخوف من أن يخافوا، وهذا ما عبرت عنه روائياً الكاتبة يائيل دايان في روايتها “طوبى للخائفين” .
فالأزمات المحلية في الدولة الصهيونية لم تعد قابلة للانفراج ولو مؤقتاً من خلال التصدير أو افتعال حروب واجتياحات خصوصاً بعد أن فقدت تل أبيب ما كانت تتصور أنه بوليصة تأمين ضد الهزيمة سواء في لبنان أو غزة .
لكن العزلة التي تزداد كما يصفها “ناتي” لن تتوقف عند حدود معالجة الخطأ بالخطيئة بل سينعدم معها الأفق، ويتفاقم الشعور بالقلق والحيرة إزاء سياسة من طراز إسبارطي عجيب، تعالج الخوف بالهلع والذعر وتعالج العزلة بمزيد من الجدران .
فالأزمات المحلية في الدولة الصهيونية لم تعد قابلة للانفراج ولو مؤقتاً من خلال التصدير أو افتعال حروب واجتياحات خصوصاً بعد أن فقدت تل أبيب ما كانت تتصور أنه بوليصة تأمين ضد الهزيمة سواء في لبنان أو غزة .
لقد سعت حكومة نتنياهو الحالم بريادة ثانية للصهيونية إلى تجميل صورتها في العالم، لكنها سرعان ما عادت إلى قواعدها غير سالمة على الإطلاق، لأنها رأت بأم العين أن صورتها شائهة، وأنها باتت تقترن بآخر احتلال في عالمنا، والدول على اختلاف أنماطها قد تضطر إلى التحول إلى ثكنات لبعض الوقت ولأسباب قاهرة، لكن أن تتحول دولة بكل مكوناتها وشرائحها إلى ثكنة فذلك أمر لابد أن يوصلها إلى أفق مسدود لأنها رهينة أيديولوجيا تحكمها الخرافة، ولا تتغذى من التاريخ أو ترتكز عليه، والمفارقة أن تسليحها بسخاء والانحياز إليها بقوة، كما تفعل الولايات المتحدة قد يكون دفعاً لها إلى الوراء والتقهقر، بحيث تنتحر بما أعدته لنحر الآخرين .
إن الكلام عن عزلة تل أبيب دولياً لم يعد مقتصراً على مقالة هنا أو تعليق هناك فهو الآن مناخ مبثوث في الأجواء، ومن لا يعترف بهذه العزلة صراحة يوحي بها، لأن تجاهلها لم يعد ممكناً، والدولة التي وصفها شلومو برايخ بأنها تركض من نصر عسكري إلى آخر نحو هزيمتها هي ذاتها التي تحاول معالجة الخطأ بالخطيئة .
المصدر: دار الخليج
اقرأ المزيد >>
مشاركات القراء
التعليقات المنشورة مملوكة لأصحابها ولا تعبر عن رأي فلسطين الآن وإنما تعبر عن رأي أصحابها
(0) تعليق
- فلسطينيات أسماؤهن "عورة" يستوجب سترها!
- نتائج وظائف الداخلية.. تعرّف على نتيجتك
- أسماء المرشحين لمقابلة التوظيف.. اعرف نتيجتك
- الكهرباء تعلن حملة خصومات الأسبوع القادم
- مكي يرد على الاتهامات.. والفرا يؤكد انطلاقة جديدة للبلدية
- بالصور: عائلة ضاقت بها الأرض فلا مأوى لها
- فيديو: النائب العام يكشف مستجدات قضايا القتل بغزة
- صور: سيارات صينية بغزة
- "فلسطين الآن" تحاور الأولى على السعودية
- مشروع قانون لمعاملة الفلسطيني معاملة المصري
- مشروع قانون لمعاملة الفلسطيني معاملة المصري
- "فلسطين الآن" تحاور الأولى على السعودية
- صور: سيارات صينية بغزة
- فيديو: النائب العام يكشف مستجدات قضايا القتل بغزة
- بالصور: عائلة ضاقت بها الأرض فلا مأوى لها
- مكي يرد على الاتهامات.. والفرا يؤكد انطلاقة جديدة للبلدية
- الكهرباء تعلن حملة خصومات الأسبوع القادم
- أسماء المرشحين لمقابلة التوظيف.. اعرف نتيجتك
- نتائج وظائف الداخلية.. تعرّف على نتيجتك
- فلسطينيات أسماؤهن "عورة" يستوجب سترها!
- مشروع قانون لمعاملة الفلسطيني معاملة المصري
- نتائج وظائف الداخلية.. تعرّف على نتيجتك
- فلسطينيات أسماؤهن "عورة" يستوجب سترها!
- الكهرباء تعلن حملة خصومات الأسبوع القادم
- فيديو: النائب العام يكشف مستجدات قضايا القتل بغزة
- أسماء المرشحين لمقابلة التوظيف.. اعرف نتيجتك
- بالصور: عائلة ضاقت بها الأرض فلا مأوى لها
- "فلسطين الآن" تحاور الأولى على السعودية
- صور: سيارات صينية بغزة
- مكي يرد على الاتهامات.. والفرا يؤكد انطلاقة جديدة للبلدية
- بالصور: عائلة ضاقت بها الأرض فلا مأوى لها
- المواصلات تحذّرمن التعامل مع الدراجات المهربة
- فيديو: مقاعد الامتحانات تنتظر طلبة التوجيهي
- فيديو: النائب العام يكشف مستجدات قضايا القتل بغزة
- زوجة القائد حامد: مستمرون حتى الإفراج عن كافة الأسرى
- فلسطينيات أسماؤهن "عورة" يستوجب سترها!
- مشروع قانون لمعاملة الفلسطيني معاملة المصري
- بالصور: "مرزوق" كومة عظام تحفظ القرآن
- بالصور: البعوض تزعج المواطن ولم توقظ المسئول
- "الزراعة" تفتتح موسم العنب "اللابذري"
- فيديو: رياضة "الباركور" بغزة تحلمُ بالعالمية
- فيديو: "فلسطين الآن" يزور مخيمات الشمال
- أزمة المياه بالخليل.. معاناة صيفية بلا حلول










اضف مشاركة عبر الموقع