السبت 25 مارس 2017 06:55 ص

غزة 10°

على هامش انتخابات حماس في غزة

الخميس 16 فبراير 2017 10:21 ص بتوقيت القدس المحتلة

على هامش انتخابات حماس في غزة
أرسل إلى صديق

ساري عرابي

نهت حركة حماس انتخاباتها الداخلية في قطاع غزة، وهي مرحلة، يفترض أن توازيها مراحل شبيهة في الأقاليم الجغرافية الأخرى التي تحضر فيها حماس تنظيميّا، وتنظم فيها لوائحها انتخابات داخلية على الطريق لإجراء الانتخابات النهائية التي تفرز المجالس والمكاتب القيادية العامة.

الانتخابات داخل حماس تعبير عن التدافع الداخلي الراهن والمتراكم، غير المنفك عن الظرف الجاري بكل ملابساته، ومع ما تحمله نتائج هذه الانتخابات من دلالات على سياقات تاريخية قادت حماس إلى التشكل على النحو القائم، وعلى موازين القوى داخل الحركة، واحتمالات اتجاهاتها السياسية القادمة، فإن الصورة النهائية لن تتوقف بالضرورة على انتخابات قطاع غزة، وسيظل ثمة مجال في الوقت الجاري لمزيد من التدافعات التي تسهم في صياغة الصورة النهائية.

إلى ذلك الحين؛ فثمة هوامش يمكن تسجيلها على متن الانتخابات الداخلية التي جرت في قطاع غزة، فبالرغم من كونها انتخابات إقليمية، متعلقة بالقطاع، فإنها حظيت باهتمام كبير يوازي لو كانت انتخابات عامة أو أكثر، وذلك لجملة من الأسباب.

من تلك الأسباب، التغير الحاصل، بصعود شخصية قيادية تاريخية قادمة من موقع عسكري لقيادة الجسد التنظيمي كله في قطاع غزة، أي الأخ المجاهد يحيى السنوار، والذي يملك رؤية واضحة ومحددة لطبيعة إدارة الصراع مع العدو، ولعلاقات حماس الإقليمية، وعلى نحو لا يخلو من وجهة نظر مغايرة لما ساد في حماس في الفترة الأخيرة.

يضاف إلى تلك الأسباب، محورية هذه الانتخابات في السياق العام، إذ لن يكون الأخ خالد مشعل، كما أعلن، وكما هو متوقع حتى اللحظة، على رأس الحركة، وهذا تحول كبير على المستوى التنظيمي، في لحظة بالغة الحرج؛ ذاتيّا في ما يخصّ حماس، وموضوعيّا؛ وطنيّا وإقليميّا ودوليّا، إذ يعيش العالم مرحلة عالية السيولة، وتتسم بالغموض والتوتر الكثيف.

ولكن هذا الاهتمام الكثيف، إلى درجة أن هذه الانتخابات الإقليمية كانت الخبر رقم (1) في إعلام العدو؛ يعني أن حماس، وبالرغم من كل الأزمات المستحكمة التي تلفها، لم تزل فاعلا إقليميّا مهمّا، وأن الظروف القاسية التي فرضت على الحركة، إن بحكم طبائع الصراع البدهية، أو بحكم انتفاش الهجمة وتعقيد الأوضاع وتراكم الأخطاء؛ لم تكن كافية لإخراج حماس من معادلة الصراع، أو لفرض الظرف ذاته الذي فرض على حركة فتح ومنظمة التحرير بالتدريج، من الخروج من بيروت إلى نتائج حرب الخليج الثانية.

إن القوّة التنظيمية التي راكمتها حماس في قطاع غزة من بعد الانتفاضة الثانية ومرورا بكل ما تبع ذلك من أحداث؛ هو الأهم في ما عزز قدرة حماس على مواجهة الابتزاز والاستدراج، وفي ما حافظ على مكانتها الإقليمية، أي إن القوة المتجسدة على الأرض داخل الوطن هي أهم مرتكزات الحفاظ على الحركة وعلى دورها ومكانتها وقدرتها على الفعل والمراوغة، دون أن يعني هذا تزكية لكل خيارات حماس في قطاع غزة، أو لإدارتها له، أو رأيا في انتخاباتها الأخيرة هناك.

لكن القضية الأساس ليست قوة حماس ومكانتها، وإنما الغاية التي جعلت لها قوة وحماس ومكانتها، أي المشروع التحرري، والذي يحتاج إلى القدرة على التمتع بالرؤية الكلية، وهو الأمر الذي يحتاج بدوره إلى ضرورة الحفاظ على التكامل والتوازن الداخلي، إن على مستوى الأجهزة والمؤسسات، أو على مستوى الأقاليم والساحات.

هنا ينبغي استحضار الوظيفة المركزية لحركة المقاومة، أو لحركة التحرر الوطني، والتي لا تقتصر على عمليات الرفض المادية، أي عمليات المقاومة بمستويات عنفها المتنوعة، وإنما رفض الهندسة الاستعمارية التي يفرضها العدو، والتي تبدو أوضح ما تكون في الحالة الفلسطينية.

تتسم الحالة الفلسطينية، بهندسة استعمارية خاصة، يباين فيها العدو أنماطه الاستعمارية جغرافيّا، فتختلف ظروف الجغرافيا ما بين الضفة وغزة وفلسطين المحتلة عام 1948، وفوق ذلك يحول دون تواصل الفلسطينيين في هذه الجغرافيات، ويضيف إلى ذلك حالة اللجوء الخارجي، أي وجود تكتل فلسطيني ضخم خارج الأرض المحتلة.

من الواجبات المركزية لحركة المقاومة معاندة هذه الهندسة، وذلك ابتداء بألا تتماهى بنيتها التنظيمية وتوازناتها الداخلية مع تلك الهندسة، وهو أمر نسبي، إذ ثمة قوة للظروف الموضوعية، بيد أن الرؤية المتكاملة، والعمل الواحد لاستنهاض كل الساحات، وحشد كل الجهود، وتعزيز المؤسسة التي وحدها ما يحول دون غلبة طبائع الاجتماع البشري؛ هو الذي يمنح أدوات تجاوز تلك الهندسة وبالتالي نجاح الحركة في واحدة من مهماتها.

الآن؛ يشير الاهتمام الكبير بانتخابات حماس الداخلية في غزة إلى موقع الحركة فاعلا صعبا في المعادلات الوطنية والإقليمية، دون أن يعني هذا أن الحركة في وضع مريح، أو أن مكانتها لم تتراجع في السنوات الأخيرة، بيد أن استمرارها، بدرجة ما، فاعلا صعبا، يمكن البناء عليه، باشتراطات متعددة، تستلزم إعادة النظر في جملة من الأوضاع والسياسات الداخلية والخارجية.

على الهامش أيضا، جملة من الملاحظات، منها المناقشات العلنية التي أدارها عناصر الحركة على صفحات التواصل الاجتماعي، والتي وإن تضمنت التصورات المثالية التقليدية عن أوضاع الحركة الداخلية، إلا أنها تضمنت أيضا نقدا جريئا للإجراءات الانتخابية المتبعة في حماس، أو لنتائجها.

صعود النقاشات الداخلية في حركات المقاومة السرية إلى العلن، تطور طبيعي في حركة تضيف إلى مجالها المقاوم مجالات عمل عام، منها ما يعني الجمهور الفلسطيني على نحو مباشر، بما يتيح لها فرصة التحول إلى حركة ممثلة للحركة الوطنية كلها، لو أحسنت الاستفادة من لحظة تراجع فتح عن هذه المكانة، وأحسنت معالجة كل ما اعترى علاقتها بالجمهور، أو عكر صفوها الداخلي.

إضافة إلى المجالات العامة التي تحضر فيها الحركة وتتطلب أداء علنيا، فإن تعاظم حجمها وتنوع أدوارها ومهماتها والتباين في الظروف الجغرافية، مع الانفجار التواصلي والتقني، يجعل من المحال على الحركة معالجة النقاش الداخلي الصاعد إلى العلن بالأدوات القديمة، إذ ينبغي ابتداع طرائق تستوعب عناصر وكوادر الحركة في كل مكان، وتستفيد من تنوعهم واختلافهم، فهما للوقت، وحفاظا على وحدة الحركة. 

المصدر: عربي 21