الثلاثاء 28 مارس 2017 09:16 ص

غزة 10°

بيض وبطاطا!!

الثلاثاء 14 مارس 2017 09:02 ص بتوقيت القدس المحتلة

بيض وبطاطا!!
أرسل إلى صديق

أيمن دلول

لأنه يوم عيد المسلمين الأسبوعي، فقد عمل “مرزوق” كل جهده لأن يعيش حالةً من الهدوء والاطمئنان في هذا اليوم بعد فترة طويلة من العمل وضغوطه الكبيرة. استعد جيداً منذ صباح اليوم واغتسل مُبكراً، ارتدى أجمل ملابسه وتطيب وقصد المسجد مبكراً، لينال بذلك أعظم قربة لله بعدما دنا كثيراً من الإمام.15

استمع للخطبة بكل جوارحه فقد لامست شغاف قلبه، واستجابة لنداء خطيب الجمعة وقف بين يدي ربه لأداء الصلاة، حتى جلس للتشهد الأخير، وحينما سلم الإمام وقبل تسليم “مرزوق” انتفض لحجم الضوضاء التي أحدثتها مُكبرات الصوت التي انطلقت قبل اختتامه لصلاته، فالباعة المُنتشرون على أبواب المسجد، لم يتركوا “مرزوق” يجبرُ ما قد يكون أصاب صلاته من خلل، وذلك بتسبيحه وأدائه لأذكار ما بعد الصلاة.

خرج “مرزوق” من مسجده بعدما تعكر مزاجه بهذا الفعل الذي لم يحترم شعيرةً مهمة من شعائر المسلمين، أو بيتاً من بيوت الله تبارك وتعالى يذكر فيه اسمه على الأرض، وانتابته الحيرة من الجرأة التي تملكت أولئك الباعة، ليس بعدم المشاركة في صلاة الجمعة، وإنما بالتشويش على المصلين كذلك دون خشية من عقاب أو محاسبة.

على مائدة الغداء اجتمع “مرزوق” وأفراد عائلته في مشهد يدلل على تآلف عائلته وتماسكها خلال جلسةٍ يحرص على تكرارها أسبوعياً، وما إن ينتهي وأبناؤه من تناول طعام الغداء حتى يبدأ بتطبيق المثل الشعبي الذي يعمل به منذ سنوات “افطروا واتمخطروا واتغدوا و اتمدوا واتعشوا واتمشوا”، تمدد بعدما غالبه النُعاس لينهض على صوت ميكرفون أحد الباعة حينما وقف أمام بيته وأخذ ينادي بأعلى صوته: “ملفوف ملفوف.. فلفل أخضر.. بندورة..”، حاول “مرزوق” النوم لكنه غاب عنه دون عودة.

وتحتَ وقع الضوضاء التي أحدثها ذلك البائع، قرر “مرزوق” الخروج في رحلته إلى شاطئ البحر قبل الموعد الذي حدده لأبنائه للترفيه عن النفس، وحينما وصل إلى المكان الذي يعشقه منذ كان صغيرا، جلس غير بعيد من مياه البحر التي أخذت تُداعب أنامله، وأخذ يتأمل أشعة الشمس التي تراقصت بنورها الذهبي على سطح ماء البحر، في مشهدٍ خجول لها حينما كانت تسقطُ في الماء كالعروس في ليلتها الأولى. غير أن السعادة التي ارتسمت على قلبه وتسللت لفؤاده لم تدم طويلاً، فقد اقتحم المشهد بائع “بطاطا مشوية” اقترب من “مرزوق” وأخذ يُنادي بميكرفون صوته مرتفع جداً ودون توقف: “هاي البطاطا يا معلم.. بطاطا شوي.. البطاطا يا باشا…”.

تبدلت الحالة التي عاشها “مرزوق” من سعادة إلى غضب جعل زوجته تلاحظ الأمر حينما حاول الابتعاد عن الميكرفون، فلاحقته “عزيزة” وحاولت التخفيف عنه، لكنه اندفع يُعبر عما يجول في نفسه بكل عصبية:

ما في مكان ننعم به بالهدوء.. حرام والله.. لا نؤدي الصلاة بهدوء، ولا نعيش الهدوء في بيوتنا، حتى في البحر لا ننعم بالهدوء..

هذا الأمر لا يُرضي الله، فهو الذي قال “وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ”، في إشارة إلى الإزعاج الذي يسيطر على الناس حين رفع أحدهم صوته، فما بالكم حينما يصيح بمكبرات الصوت.

وعلى مضض أمضى “مرزوق” ساعات معدودة على شاطئ البحر قبل انتهاء يوم إجازته الأسبوعية، وقفل عائداً لمنزله، وحينما كانت الساعة العاشرة مساء عاش في نومٍ عميق، أيقظه صوت صياح أحد البائعين يدلل على “البيض” الذي كان يحاول بيعه، حينها نهض “مرزوق” وفتح نافذة بيته وصاح على ذلك البياع:

بيض بيض.. يا عالم ارحمونا، حتى في الليل لا نتمكن من النوم.. الرحمة يا عالم.

مضت تلك الليلة، أما حكاية الصباح فقد كانت بلون آخر، ففي الوقت الذي كانت زوجة “مرزوق” تجهز أطفالها للتوجه إلى المدرسة، عمت فوضى داخل منزلهم بفعل أصوات الباعة الذين انتشروا مبكراً في شارعهم، فهذا بائع الكعك والآخر بائع مواد التنظيف وثالث يبيع البطاطا والتفاح..

بصعوبة تمكنت “عزيزة” من التفاهم مع أطفالها، فالضوضاء التي سيطرت عليهم في ذلك الصباح بفعل مُكبرات الصوت كانت أعلى من تمكين أطفال “مرزوق” معرفة ما تُريده والدتهم منهم، لكن انتهت مهمة تجهيزهم وحان وقت تجهيز طعام الإفطار لوالدهم قبل توجهه إلى العمل في أول يوم من الأسبوع.

وكعادتها اقتربت “عزيزة” من زوجها لمعرفة رغبته بنوع الإفطار له في ذلك اليوم، حينها رفع صوته عليها بعدما سيطرت معالم الغضب عليه مجدداً: اعملي أكل ولو كان بيض وبطاطا..

حينها انفجرت زوجته من الضحك، لينفجر هو الآخر ويستوقفها بكلماته:

كنتُ أتمنى أن يكون هناك احترام مُتبادل في مجتمعنا لمشاعر الآخر، فالبائع بإمكانه البيع لكن دون استخدام مكبرات صوت، واختيار الوقت المناسب لذلك، أما بهذا الشكل فالأمر أصبح لا يُطاق..

كنتُ أتمنى أن الذي يحكمنا الدولة العثمانية..، حينها بادرته زوجته بالسؤال: ولماذا..

فأجاباها: تذكر كتب التاريخ أنه في عهد الدولة العثمانية كان الناس يضعون باقة من الورد الأحمر أمام الأبواب، فيعلم الناس أن بداخل هذا البيت شخص مريض، وذلك لتنبيه المارة والباعة المتجولون، فلا يُصدرون أصوات عالية احتراماً لهذا المريض، وبذلك كانوا يتعاملون بقمة الاحترام في وقتٍ لم يكونوا يمتلكون مكبرات صوت أصلاً.. لكن ماذا لو فعلنا في هذا الزمان مثل فعلهم، ماذا تراهم يفعل الباعة المتجولين حين يشاهدون باقة ورد حمراء على باب منزلنا؟

المصدر: فلسطين الآن