الإثنين 24 أبريل 2017 11:56 م

لا يوجد كاتب فاشل

الثلاثاء 11 أبريل 2017 02:50 م بتوقيت القدس المحتلة

لا يوجد كاتب فاشل
أرسل إلى صديق

إبراهيم أبو عواد

الأملُ نِظامٌ مُتكامِل، ولَيْسَ مُخَدِّراً. وبِدُون الأمل، سَتَصيرُ حياةُ الإنسانِ جَحيماً لا يُطاق. والْمُؤسِف في عالَم الكتابةِ أنَّ عَوَامِلَ الشُّهرةِ في كَثيرٍ مِنَ الأحيان لا تَتعلق بِجَودة النَّص. وإنَّما تتعلق بالفَضائح، أو التَّسليط الإعلاميِّ، أو حُدوث ضَجَّة مَا مِثْل المنع والمصادَرة. وهذه العناصرُ مُتماهِية مَعَ نِظام الشِّلَلِ والعلاقاتِ الشخصية. والكاتبُ المغمورُ لَيْسَ بالضَّرورة أنَّهُ كاتبٌ ضَعيف، أوْ أنَّ نُصوصَه لا تَستحق النَّشْر والظهور. فهناك تَفاهات على شَكل كُتُب تُسيطِر على قائمة الأعلى مَبيعاً، التي يَحكمها الفسادُ والعلاقاتُ الشَّخصية المصلحية وغياب الشفافية.

إنَّ الكاتبَ المغمورَ لم يستطع أن يُسوِّق كتاباته وينشرها بين الناس. ولَم يَفْشَلْ كَكَاتِبٍ. وفي واقع الأمرِ، لا يُوجَد كاتبٌ فاشلٌ، لأنَّ كُلَّ مَن كَتَبَ نُصوصاً أو أَلَّفَ كُتُبَاً هُوَ مُبْدِعٌ. بِمَعنى أنَّه قَدَّمَ فِكْراً للناسِ. لكنَّ المستوى الفَنِّيَّ هُوَ الذي يُمَيِّزُ الكاتبَ القويَّ عَن الكاتب الضعيف

وفي السِّياق اللغويِّ، تُسْتَخْدَمُ عبارة "كاتب فاشل" للإشارة إلى السطحية، أو ضَعف الأسلوب، أو تَفَكُّك الروابط بين الكلام، أو غياب الفِكر الرَّاقي. وكُلُّ كاتبٍ مَهْما بَلَغَتْ درجةُ ضَعفه وانهيار كتاباته، لا يُمْكِن أن يَصِلَ إلى دَرجة الصِّفر. سَوْفَ نَعْثُرُ _حَتْماً_ عَلى فِكرة جميلة هُنا أو هُناك، أو كلمة رائعة، أو فائدة لغوية، أو مَعْنى راقٍ.

الكِتابةُ الإبداعيةُ هِيَ مُتوالِياتٌ فِكرية، تَسْكُبُ الماءَ الْمُقَطَّرَ في بِئْرِ العَدَمِ، مِمَّا يَجعل العَدَمَ كياناً إنتاجياً يَحتوي على الأجزاء اللغوية الحيوية. والمهم هو كيفية صناعة تَوليفة إنسانية قادرة على ضَمِّ العناصر ضِمْن منظومة تُراعي التفاوتَ المعرفِيَّ في هذا الوجود.

إنَّ النُّصوصَ اللغويةَ _مَهْما كان مُستواها الفَنِّي_ هِيَ مُسْتَوْدَع للخبرات والعواطف والأفكار والأحلام. كما أن الْحُكْمَ على مُسْتَوى الكتابة أمرٌ نِسْبِيٌّ يَختلِفُ باختلاف طَبيعة النُّقاد، وأذواق لِجَان تَحكيم الجوائز، والظروف السياسية والاجتماعية، والعادات والتقاليد، ودَرجة وَعْيِ المجتمع. فلا دَاعي أن يَقْلَق الكاتبُ على مَصير كتاباته، حتَّى لَوْ انتقلَ مِن فَشَلٍ إلى فَشَلٍ _وَفْقَ رأي البعض_. ولكنَّ المسؤوليةَ الْمُلقاة على عاتقه تُحَتِّمُ عَلَيه أن يَعمل جاهداً لِتَطوير مستوى كتاباته لَفْظاً ومَعْنَىً. وَلْيَكُنْ بَعْدَ ذلك ما يَكُون.

الشُّهرةُ هِيَ أمرٌ خارجٌ عَن إرادةِ الإنسانِ، تَمَاماً مِثْل الرِّزْق. هُناك عباقرة فُقَراء، وأغبياء أصحاب مَلايين، والعكس صحيح. وعلى الإنسانِ أن يَعْمَلَ بِجِدٍّ بلا كَسَلٍ أو مَلَلٍ. وسَوْفَ يَأخذ نصيبَه كاملاً غَير مَنقوص، سَواءٌ في حياته أَمْ بَعْد مَماته. والزمنُ هُوَ الغِرْبالُ الحقيقيُّ. وسَيَأتي القُرَّاءُ والنُّقادُ عَاجِلاً أَوْ آجِلاً، بِغَضِّ النَّظَر عَن المستوى الفَنِّيِّ للكتابة.

الكِتابةُ الإبداعيةُ هِيَ مُتوالِياتٌ فِكرية، تَسْكُبُ الماءَ الْمُقَطَّرَ في بِئْرِ العَدَمِ، مِمَّا يَجعل العَدَمَ كياناً إنتاجياً يَحتوي على الأجزاء اللغوية الحيوية. والصَّحراءُ القاحلةُ رَغْمَ جَفافها إلا أنَّنا بحاجة إليها، وكثير من الكائنات بحاجة إليها. وَلَوْ كان كوكبُ الأرض جَنَّةً خضراء لكانت هذه كارثة بيئية، لأنَّ كُلَّ عُنصر في الطبيعة له دَور يُؤدِّيه بِدِقَّة، والمسألةُ الهامَّة هي كيفية صناعة تَوليفة إنسانية قادرة على ضَمِّ العناصر ضِمْن منظومة تُراعي التفاوتَ المعرفِيَّ في هذا الوجود.

لا مَعنَى لإلغاء الوجود الإنسانِيِّ تَحْتَ ذَريعة وُجود عناصر ضَعيفة وهذه القضية الفكرية دقيقة للغاية وينبغي تطوير الكيانات الإنسانية والبيئية لتخدم منظومة المجتمع الكُلِّي مَعَ مُراعَاة الفُروق، لا أن نسعى لتطهير المجتمع مِنَ الكَينونة الإنسانية والعوالم البيئية. نحن نُقاتِل المرضَ لا المريضَ، ونُقاتِل الغباءَ لا الغَبِيَّ. وفلسفةُ الكتابةِ تَقوم بهذا الدور لإعادةِ بناء الإنسان، واكتشافِ إنسانيته مِن جَديد، وأيضاً أنسة عناصر الطبيعة، ضِمْن خُطة التَّلاحُم المعرفِيِّ البعيد عن الانفصام والتشتت. الكِتابةُ كالطائرةِ: إقلاع وهُبوط. ذَهاب وإياب. الرِّحلةُ جُزءان، الذهابُ نِصْفُ الرِّحلةِ، والرُّجوعُ هُوَ النِّصْفُ الآخَر. يُولَدُ قانونُ الكتابةِ بَعْدَ شَرارة الكتابةِ. قانونُ الجاذبية جَاءَ بَعْدَ التُّفاحة وقانونُ القَصيدةِ يُولَدُ بَعْدَ التَّجربةِ الشِّعرية.

المصدر: وكالات