السبت 29 أبريل 2017 12:50 ص

الكنز المفقود

السبت 15 أبريل 2017 09:08 م بتوقيت القدس المحتلة

الكنز المفقود
أرسل إلى صديق

مدونة مرفأ الأمل

عُدتُ إلى ذات المكان بعد انقضاء الأيام وتعاقب السنوات ، عُدت إليه لأنه كان يُمدني بكثير من الطاقة والعزم ، إنه موطن الكتب ومكتنز العلم ، في جنباته تسطر الكتب روائع العقل البشري من علوم وأدب وفلسفة وبين أروقته كنت أرى طالبات العلم وقد أقبلن في تواضع ليقتنين مفاتيح البحث العلمي ، تبحر كل واحدة في المجال الذي تهواه ، تطارد فكرة أو نظرية تحاول إثباتها أو توسعتها ، كان كل يوم يمضي كومضة ، فسعادة العلم والتلقي تلقي على أرواحنا اعتزازا وبهجة وطاقة كبيرة لو قُسمت على أهل الأرض لكفتهم ، كنا نتواصى على العطاء والارتقاء ، لم يكن عملنا المشترك في بحث ما سببا للتكاسل ، بل على العكس كنا نحاول أن نكمل بعضنا البعض ، وحينما نستعير الكتب كنا نحافظ عليها ونعتني بها حتى تبقى مفيدة لغيرنا ، كنا ندرك قيمة المال العام وأن ما بين أيدينا من فائدة لا بد أن يكون فيها للآخرين نصيب ، جولاتنا في المكتبة تنقلنا إلى أفق متسع نهفو فيه إلى التمييز ، فبين الموسوعات والكتب والدوريات والمصادر ، وحتى المواد الصوتية والمرئية كنا نلتمس طريقنا إليها فننعش الأفكار بالإعمال والتقصي والممارسة ، والمعلومات التي كنا ننسجها داخل بحثنا نسعى إلى إثباتها وتحقيق نسبتها ، وفي هذا الجهد كان تعبنا هينا لأننا كنا نلقى لذة في التحدي والمثابرة ..والنتيجة التي نتلقاها على بحثنا تفرحنا وتشد من سيرنا لنعود فنبحر من جديد …

لكل ما ذكرت عُدت لمكتبة الجامعة ، ولكن حالها تغير اليوم ، نعم زاد عدد الكتب وتطورت المكتبة كثيرا عن ذي قبل ، ولكن تعامل فتيات اليوم مع المكتبة كان شيئا مختلفا ، فالمكتبة تلاشى الهدوء فيها ، فأمست مساحة فوضوية وكأنها سوق ،وكأنها كنز مفقود آل لمن لايدرك قيمتة ولا يعي وزنة ،  لقد آلمني ما رأيت من تبلد الشعور وخواء الأفكار ، وآلمني أن أرى الفتيات وقد توافدن للمكتبة بغية التلاقي والأنس بالصحب ، حيث كان الكتاب آخر همومهن ،وآلمني أن لا ينسب العلم لأهله وأن يصبح شيئا متداخلا مجهول الهوية ،  فالبشبكة العنكبوتية بإمكانهن نسخ واقتناء الأبحاث الجاهزة دون الخوض في متاهات البحث العلمي ..وكل واحدة لا ترى حرجا في أن تنقل المعلومة من أي مكان دون توثيق ، المهم أن تملأ الأوراق بالأسطر التي لو سٌئلت عنها لما أجابت .

يسؤوني حقا ما آلت إليه طريقة التفكير ، لا أتوقع أن الجميع على هذه الشاكلة ، لكن الأغلبية التي رأيتها اليوم تشي بالكثير ، فكيف السبيل لإعداد أمة تقرأ وتقدر وتحترم ؟ لا زال أمامنا الكثير.

المصدر: وكالات