الثلاثاء 27 يونيو 2017 05:00 م

صفقة القرن

الأحد 18 يونيو 2017 09:27 ص بتوقيت القدس المحتلة

صفقة القرن
أرسل إلى صديق

محمد إبراهيم المدهون

قبل أكثر من عام وتحديدا في 21 فبراير/شباط 2016؛ عُقد في العقبة الأردنية -وفق تسريب لصحيفة هآرتس- لقاءٌ رباعي (بين بنيامين نتنياهو وجون كيري وعبد الفتاح السيسي وعبد الله الثاني)، ناقش أفكاراً جديدة للحل على أساس من يهودية الدولة وتبادل الأراضي، لكن الجميع أنكروا هذا الاجتماع عدا نتنياهو!!

بعد عام وفي 12 فبراير/شباط 2017؛ أعلن عضو حزب الليكود أيوب قرا أنه أثار مع نتنياهو مقترح دولة فلسطينية في سيناء وفق "خطة السيسي"، لتعبيد طريق السلام الشامل مع "الائتلاف السني" حسب وصفه، وأن نتنياهو سيعرض المقترح على الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

المتحدث باسم الرئاسة المصرية نفى ذلك مطلقاً، وأكد هذا النفيَ السيسي نفسُه بقوله "لا أحد يملك أن يفعل ذلك"، كما صرح -خلال لقائه مع ترمب- بأن "السلام بين إسرائيل وفلسطين سيكون صفقة القرن".

طرح متعدد ومتجدد

ومصطلح "صفقة القرن" تردد سابقاً عام 2006 عبر ما عُرف بـ"عرض أولمرت" أو "تفاهمات أولمرت وعباس"، وما تسرب حينها من أنها "اتفاقيات رفّ" تنتظر الانتخابات الإسرائيلية ونتائجها آنذاك.

في ظل سقوط حل الدولتين؛ يوجد عود على بدء إلى ما قبل أوسلو في أجواء استنساخ أو استحضار لروايات السيناريو المأمول إسرائيلياً عبر مشاريع التوطين منذ خمسينيات القرن الماضي.

ومن هذه المشاريع مشروع توطين (60) ألف فلسطيني في سيناء أيام عهد جمال عبد الناصر الذي نجحت غزةفي إفشاله، ومشروع آلون للتوطين في سيناء تحت مبرر "عجز السلطة المصرية عن فرض سيطرتها الأمنية على سيناء".

"تنطلق الصفقة في مرحلتها الأولى من رعاية أميركية لا لبس فيها تعيد الثقة إلى مسيرة التسوية وتحقق وجود الضامن المفقود. مع التزام كامل بمبدأ حل الدولتين وإقرار لـ"إسرائيل" بحدود جدارها كخطوة أولى، وأن تعاد قراءة الحدود ومشروع تبادل الأراضي وفق خريطة باراك (1.9 %) أو أولمرت (6.5 %)، أو خريطة جديدة قد تصل إلى (12 %)"

وهناك خطة يوشع بن آريه 2003 بتمديد حدود غزة حتى العريش، ومشروع غيورا آيلاند 2004 الذي دعا مصر للتنازل عن (600) كم2 من سيناء لصالح التوطين، مقابل حصولها على (200) كم2 من صحراء النقب ومزايا اقتصادية.

تنطلق "صفقة القرن" في مرحلتها الأولى من رعاية أميركية لا لبس فيها تعيد الثقة إلى مسيرة التسوية وتحقق وجود الضامن المفقود. مع التزام كامل بمبدأ حل الدولتين وإقرار لـ"إسرائيل" بحدود جدارها كخطوة أولى، وأن تعاد قراءة الحدود ومشروع تبادل الأراضي وفق خريطة باراك (1.9 %) أو أولمرت (6.5 %)، أو خريطة جديدة قد تصل إلى (12 %).

ويقابل ذلك التزام إسرائيلي بوقف الاستيطان خارج "الكتل الاستيطانية"، والالتزام الدولي والعربي برعاية الاقتصاد الفلسطيني مع إعادة النظر في اتفاق باريس الاقتصادي، وأن تستمر السلطة في منع العنف والتحريض، ويستمر التنسيق الأمني بإشراف طرف ثالث (أميركا)، والسماح للجيش الإسرائيلي بالعمل في الضفة الغربية.

كما ستسعى السلطة إلى توحيد الصف الفلسطيني، واستمرار عملية إعمار غزة وإقامة ميناء (ربما يكون عائما) مع ضمانات أمنية، ويتم العمل على نزع سلاح غزة وتدمير الأنفاق (كسر شوكة غزة).

وفي حال تحقيق السلطة هذه الشروط يمكن السماح لها بالإعلان عن دولة في حدود مؤقتة، مع بسط السيطرة على مناطق جديدة في الضفة. وتدرس "إسرائيل" السماح بمشروعات حيوية في الضفة مثل مطار، ليمهد ذلك لمفاوضات مباشرة سقفها الزمني عشر سنوات وصولاً إلى السلام النهائي.

وخلال هذه الفترة الزمنية (المرحلة الأولى) تعلن دول الإقليم أنها جزء من هذا المشروع، وتبدأ تدشين تعاون شرق أوسطي في شتى المجالات الحيوية، وعلى رأسها الأمن ضمن إطار موحد.

هذه خطوات ضرورية تراها أميركا ممهدة لـ"صفقة القرن" بإحياء "عملية السلام" على قاعدة أن "عباس أفضل الخيارات"، ومن هنا كانت إعادة فتح الأبواب أمام محمود عباس، والدعوة للقاء سريع يجمعه مع نتنياهو.

ومن ثم فتح حوار أميركي مع مصر لصياغة رؤية مشتركة حول غزة، قد يقود إلى جهود مصرية مجدداً "لإنهاء الانقسام" الفلسطيني، على قاعدة التمهيد لمشروع "غزة الموسعة خالية من حماس" و"تبادل الأراضي"، والذي يعتبر الخطوة الثانية الرئيسة في الصفقة.

مشروع الأراضي المتبادلة

المرحلة الثانية لـ"صفقة القرن" ذاهبة في اتجاه مشروعيْ يوشع وآيلاند بغض النظر عن مساحات أراضي التبادل، حيث يتنازل الفلسطينيون عن مساحة متفق عليها من الضفة (الكتل الاستيطانية) وجزء من الغور، ومقابلها نظيرتها من أراضي سيناء بموازاة حدود غزة وسيناء، وستحصل مصر من "إسرائيل" على مساحة مكافئة من وادي فيران جنوب صحراء النقب.

وقد تدخل السعودية على خط تقديم أرض لتمثل شريكاً، خاصة أن البعض يرى أن جزيرتيْ تيران وصنافير كانتا عربوناً للسعودية في سياق مشروع تبادل الأراضي الضخم.

"إسرائيل" عينها على أرض "يهودا والسامرة" حيث تحتفظ بـ"المدن الاستيطانية" التي وصفها باراك بـ"المساحة الحيوية" -وكثير منها "أراض دينية" وفق الفقه اليهودي- وتتجاوز ما حققته في الجدار العازل، وهذا يسمح بتقليص عدد المستوطنين الواجب إجلاؤهم إلى بضعة آلاف.

"مصر عينها على الإدارة الأميركية الجديدة التي تتفق معها في عدم ترك غزة لحركة حماس، ومن هنا فإنها تنسجم مع إجراءات عباس ومرادها تأليب شعبي ضد حماس، ولكنها ترى أنها تحمل مخاطر فصل القطاع عن الضفة، مع إقرار كافة الأطراف -ومنها "إسرائيل"- بأن حماس راسخة وتملك مقومات دولة"

"إسرائيل" تعتمد هذه الصفقة وتسعى لتسويقها لدى الفلسطينيين باعتبارها حلاً لأزمة غزة التي تكتظ، ولا فرصة لإقامة ميناء حقيقي فيها، ولكن بالتوسع على الساحل يمكن ذلك مع فرصة وجود حقول غاز، ومطار دولي، وبناء مدينة جديدة لمليون شخص.

كما يمكن بذلك حل مشكلة اللاجئين في لبنان وبعض اللاجئين في سوريا والأردن، هذا عدا عن النمو الاقتصادي غير المسبوق باعتبار غزة الموسعة مركزاً تجارياً دولياً.

ولكن لا تتم الإشارة إلى التنازل الكبير في الضفة التي تمثل عمق المشروع الوطني الفلسطيني، بينما تظل القدس خارج النص. وحتى يسيل اللعاب الفلسطيني تبدأ خطوات تمهيدية بإطلاق سراح عدد من الأسرى، وتجميد الاستيطان، وإطلاق التفاوض المباشر وصولاً إلى عقد مؤتمر سلام الصيف القادم.

وتروج "إسرائيل" رواية "صفقة القرن" لمصر باعتبار أن التنازل عن الأراضي في سيناء سيكون للفلسطينيين وليس لـ"إسرائيل"، وأنه أرض مقابل أرض تسمح لمصر بتواصل جغرافي مع الأردن عبر نفق طوله 10 كلم، يربط البلدين بالخليج ويخضع للسيادة المصرية.

كما أن حركة اقتصادية ضخمة من النفق ستنشأ عبر شبكة حديد وطريق سريع وأنبوب نفط يمتد نحو ميناء غزة الكبرى، مما يحقق عائدا ماليا جمركيا ضخما لمصر، مع إغراء إسرائيلي لمصر بتشجيع المنظومة الدولية على ضخ استثمارات هائلة فيها ومنها تنقية المياه، وستوافق "إسرائيل" على إجراء تغييرات محددة في الملحق العسكري من اتفاقية كامب ديفد.

ومن هنا تكون الرواية المقدمة للشعب المصري هي تنازل عن (1%) من أرض سيناء مع بسط سيادة على (99 %) منها، وسماح لمصر بالحصول على القدرات النووية لأغراض سلمية ولإنتاج الكهرباء، وبذا -وفق الرواية الإسرائيلية- تستعيد مصر مكانتها الدولية، ويكون الطريق ممهداً للسيسي لنيل جائزة نوبل للسلام.

تنفي مصر أي مقترحات توطين وتقول إنها لا تتجاوب معها ولن تخضع للضغوط، ولكن التركيز "الإسرائيلي" المتزايد على حاجة مصر للدعم المالي والإسناد السياسي، وكذا علاقتها الحميمة مع "إسرائيل" في هذه المرحلة، يستدعيان رهان "إسرائيل" على جاهزية مصرية للتعاطي مع "صفقة القرن" وأن تكون عرابها.

مصر عينها على الإدارة الأميركية الجديدة التي تتفق معها في عدم ترك غزة لحركة حماس، ومن هنا فإنها تنسجم مع إجراءات عباس ومرادها تأليب شعبي ضد حماس، ولكنها ترى أنها تحمل مخاطر فصل القطاع عن الضفة، مع إقرار كافة الأطراف -ومنها "إسرائيل"- بأن حماس راسخة وتملك مقومات دولة.

الأردن جزء من المشروع باعتباره حلا إقليميا دون أن يتكلف ثمناً مع عوائد ملموسة عبر النفق ومنظومة التواصل مع ميناء غزة الموسعة، وصولاً إلى أوروبا ليربط بين العراق والخليج والبحر المتوسط مع ميزات اقتصادية وإستراتيجية وازنة، وهناك عين أردنية أخرى على تخفيف العبء الديمغرافي الفلسطيني وخاصة الغزي لصالح دولة غزة الموسعة.

بين الوعود والعراقيل

ليس خافياً مستوى الدعم الأميركي الترمبي للأطماع الإسرائيلية بوعد قاطع بنقل السفارة للقدس، مع تقريب يفوق التوقع لليمين الصهيوني المتطرف في المناصب العليا، وليس أدل على ذلك من دعوة مجالس المستوطنات اليهودية لحضور حفل تنصيب ترمب.

وفي المقابل يحمّل ترمب السلطة مسؤولية نشر الكراهية، ولذلك كانت رسالته الواضحة -لدى استضافته عباس- بوقف التحريض على الكراهية، ووقف مخصصات الشهداء والأسرى.

بل إن أميركا تاريخياً -منذ اغتصاب فسلطين 1948- دعت إلى التوطين، واليوم يقف ترمب متحمساً لـ"صفقة القرن". هذا فضلاً عن مجاراة هذه الصفقة للاتجاهات الجديدة في العالم، والقائمة على حلول متعددة الأطراف على أساس ربحي واقتصادي.

"الطريق إلى عقد "صفقة القرن" ليس سهلاً، والموقف الفلسطيني الرسمي والشعبي الرافض للتوطين سالفاً يرفضه أيضاً اليوم ضمن صفقة تبادل الأراضي، ويبدو أن سيناريوهات التنفيذ لا تقل خطورة عن المشروع ذاته، لصعوبة استجابة الشعب الفلسطيني الذي قاوم سابقا التوطين ومؤكد أنه سيقف ضده اليوم وغداً"

فالعالم سيدفع مليار دولار سنوياً للفلسطينيين، وهذه مبالغ تذهب لاستثمار غزة الكبرى لتحقق أرباحا تغني عن استمرار الإنفاق، مع فائدة حقيقية لأوروبا تتمثل في خفض الأسعار، والاقتراب جداً من السوق الشرق أوسطي والخليجي الأكبر استهلاكاً.

الطريق إلى عقد "صفقة القرن" ليس سهلاً، والموقف الفلسطيني الرسمي والشعبي الرافض للتوطين سالفاً يرفضه أيضاً اليوم ضمن صفقة تبادل الأراضي، ويبدو أن سيناريوهات التنفيذ لا تقل خطورة عن المشروع ذاته، لصعوبة استجابة الشعب الفلسطيني الذي قاوم سابقا التوطين ومؤكد أنه سيقف ضده اليوم وغداً.

وربما يذهب هذا بأرباب المشروع نحو التهجير القسري عبر عدوان مدمِّر على غزة، وبالتأكيد مثل هذا السيناريو يحتاج بيئة تتمثل في إدارة دولية وغطاء أميركي غير مسبوق، يمنحان ضوءاً أخضر للقيادة اليمينية الصهيونية مع صمت عربي.

والبعض يرى أن الضغط المتزايد الذي يستهدف غزة اقتصادياً اليوم -عبر قرارات من قبيل خصم الرواتب، والتقاعد المبكر، وقطع مخصصات الشهداء والأسرى، ووقف التزويد بالكهرباء- يأتي في ذات السياق الممهد لـ"صفقة القرن".

وهذا السيناريو يشكل كذلك تهديدا لـ"إسرائيل" عبر مغامرة غير حاسمة النتائج، فقد يُشطب مسار التسوية إلى الأبد، وتنال المقاومة الشرعية الحاسمة، ويُفشل صمود الشعب الفلسطيني السيناريو، وربما لا تسمح البيئة في العالم المصاحبة للجرائم بالاستمرار، ولا تمنح غطاء لمن يرغب التعاون مع الاحتلال في إنفاذ العدوان.

هذا فضلاً عن مزيد من كشف وجه الاحتلال المجرم مما سيسبب مزيد عزلة وفشل الخيار الثاني الأكثر هدوءا، والذي يتمثل في قبول الأنظمة العربية بصفقة التصفية لانشغالها بأزماتها، فضلاً عن بحثها عن استقرار بلدانها ولو على حساب فلسطين، حيث يُزيّن لها أن بوابة هذا الاستقرار هي تقوية العلاقة مع الكيان والإذعان للمصارع ترمب.

لكن الشعب الفلسطيني يمتلك وعياً خاصاً وقد يُفشل هذا السيناريو، والأنظمة تخشى ردة فعل الشعوب رغم سوء الحال الذي وصلت إليه، خاصة أن الجميع يتذكر أن كافة مشاريع التوطين كان فيها حرقٌ لشعبية الأنظمة.

أفق تطبيق "صفقة القرن" ليس ممهداً ولا مؤشرات على موافقة السلطة عليه، بل إنها حتماً ستكون ضده لو ذهب في اتجاه سيناريو كيان منفصل في غزة، مع عدم وجود مؤشر لإمكانية تطبيق سيناريو سلمي لـ"صفقة القرن".

الليالي حبلى والموقف ساخن، والأيام تأتي كل يوم بجديد، والتمهيد لعقد "صفقة القرن" بدأت خطواته الأولى على الأرض خلال زيارة ترمب للمنطقة، وحلقات الحصار حول غزة تشتد، وإرهاصات مرحلة قادمة قاسية تأخذ خطواتها الأولى لتوقيع احتفالي يوهم بأجواء جديدة في المنطقة، عنوانها الأكيد: "إسرائيلُ" تقود محوراً عربياً برعاية أميركية لعقد "صفقة القرن".

المصدر: الجزيرة نت