الخميس 13 ديسمبر 2018 01:06 ص

نور بركة بورك فيك وهنيئاً لك استشهادك أنت وإخوانك

الأربعاء 14 نوفمبر 2018 08:48 ص بتوقيت القدس المحتلة

نور بركة بورك فيك وهنيئاً لك استشهادك أنت وإخوانك
أرسل إلى صديق

علي العتوم

  إنّه حقّاً، اسمٌ على مسمّىً، وشهابٌ نزل من السماء ليُضيءَ جَنَباتِ الغبراء فيُحيلَها بالشهادة إلى خضراءَ مُمْرِعةٍ وإلى آجامٍ بالعِزِّ مُتْرَعة. أجل، إنّه الشهيد نور بركة أحدُ قوّاد كتائب الشهيد عزّ الدين القسّام من خان يونس إحدى بلدات قطاع غزّة المُجاهِدة الذي لَقِيَ وجه ربِّه، فارساً حميداً وشهيداً مَجِيداً بيد الغدرة من أبناء صهيون (يوم الأحد 11/11/2018م).

            لقد جاؤوا إليه بقواتهم الخاصة المُدرَّبة على الشرِّ أعتَى تدريبٍ وبسِرِّيةٍ تامة، ليخطتفوه على صمتٍ ويذهبوا به رهينةً بوصفه أعظمَ غنيمة يُسدِّدونَ به لهم عندَه فواتيرَ قديمةً عديدةً، وذلكَ لإيقاعه بهم في مرّاتٍ سابقةٍ شرَّ إيقاعٍ وأمرَّه. وقد استهدفوه قبل أربع سنواتٍ وحاولوا هدمَ منزله، ولكنّهم باؤوا بالخُذلان، فأرادوا هذه المرّةَ أنْ يُصفُّوا معه الحساب بتصفيته على هِينةٍ وخُفُوتٍ، مستغلِّينَ ما يجري في القطاع من أجواءِ تهدئةٍ يُجريها مع الفصائل المُقاوِمة الجانبُ المصري الوسيطِ بينهم وبينَ اليهود.

            غيرَ أنَّ الكتائبَ المُقاتِلَةَ - والفضلُ للهِ، وهذا شأنُها على الدوامِ – لم تكنْ نائمةً أو غافلةً عن غدْرِ هؤلاء اللئام الذينَ قال اللهُ عنهم في محكم تنزيله: (ولا تزالُ تطَّلِعُ على خائنةٍ منهم) ووصفَهم بأنَّهم (لا أَيْمانَ لهم) أيْ لا عقودَ عندهم ثابتةً أو عهودَ لهم صادقةً، إذْ ما إنْ أحسَّتِ تلك الكتائب بقوَّتهم الغادرة تتسلَّل إلى منطقتهم، حتَّى عاجلوهم بالردِّ السريع فأردَوْا منهم أحدَ أفرادهم، وكَلَموا آخَرَ كَلْماً شديداً، بعدَ أنِ ارتقى منهم إلى عليِّين ستّةٌ، بمَنْ فيهم هذا القائد القسّامي العظيم.

            ومما يشيرُ إلى أنَّ حملة بني صهيون حسبما خطََّطوا لها، لم تُؤْتِ ثِمارَها المرجوَّة، إذِ افتضحَ أمرُها وكانوا يريدونَها صامتةً ينالون فيها من عدوِّهم أيَّما نيلٍ، دونَ أنْ يدري بهم أحد، أو يكونَ عليها ردٌّ، وخاصّةً أنَّ الوسيطَ المصريّ وبرغبةٍ منهم يُجري مع الفصائل عمليةَ التهدئة. نعم، إنَّ مما يشيرُ إلى ذلك وأنَّ اليهودَ أُصيبوا فيها بإيلامٍ شديدٍ، عَقْدَ وزير دفاعهم المجرم (ليبرمان) على عجلٍ اجتماعاً مع أركان حربه، وقطْعَ رئيسِ حكومتهم نتنياهو حضورَ مؤتمر (السلام) في باريس مع بقية زعماء العالم، وأنَّ الأخبارَ جاءتْ من الأرض المحتلّة بأمر المسؤولين هناك بالتصعيد وتشديد الغارة على القطاع.

            وفي الوقت الذي يُكبِرُ فيه كُلُّ إنسانٍ سَوِيِّ الفكرِ سليمِ الطَّوِيّة، مواقفَ أهل غزة البطولية بجميع شرائحهم من العدوِّ الإسرائيلي، يُؤسينا نحنُ العربَ خاصّةً، ما وَصَلَ إليه بنو قومنا من انحدارٍ في كُلِّ شيءٍ، وفيما يتّخذونه من مواقفَ فَسْلةٍ تُجاهَ ما يجري مع إخوانهم أهل غزّة الذين رغمَ كُلِّ ما هم فيه من ضيقٍ وأذى، يتحاملونَ على جراحاتهم، ويُصرُّونَ على المقاومة لهذا العدو اللئيم، ويردون على قرار أعدائهم بعد العملية بالتصعيد، بتصعيدٍ. ومما يُفتِّتُ الأكبادَ أنَّ هؤلاء الأعراب لا يكتفونَ بمواقف الصمت والخَرَس عن نُصرة إخوانهم، بل يزيدونَ فيقف الكثير منهم مع هذا العدوّ للإيقاع بإخوانهم أهل غزّة، والعياذ باللهِ.

            ومما يُؤسي في هذا المجال كُلَّ عربيٍّ شهمٍ أو مسلمٍ غيور أشدَّ الأسى وأمضَّه

- أنَّه بينما كانتِ الأخبارُ تأتينا من غزّة بعدوان اليهود عليها - أنْ نسمعَ في أجهزة الإعلام العربية، أنَّ زعيمَ السلطة الفلسطينية يتهدَّدُ أهلَ غزّة بإجراءاتٍ تعسُّفية، ونسمعَ من أرض الكِنانة انشغالَهم باعتقالات الأطهار ورمْيهم بتهمة الإرهاب وأخذهم مَنْ يأخذون بالظِّنّةِ والشبهة، وأنَّ الزعيمَ الفلاني والآخر العلاّني في جزيرة العرب يستقبلُ القَتَلَة اليهود ويُرحِّبُ بهم، بل يتوَسَّط لهم هؤلاء القتلة عند سادتهم الأمريكان بدعمهم والمَدِّ في أعمارهم، ليُكمِلوا مشوارَهم بذبح شعوبهم.

            وإنّني لأقول في هذه الأجواء، لرؤساء الغرب ومُجالسيهم من دول العرب والكيان الغاصب فيما يُسمّى بمؤتمر السلام في باريس، في ذكرى انتهاء الحرب العالمية الأولى 1918م الذي عُقِدَ هناك (الأحد 11/11/2018م) في الوقت الذي يَشُنُّ فيه اليهودُ عدوانَهم على غزّة برّاً وجوّاً: أيُّ سلامٍ تزعمون، وأنتم الذينَ أذقتمونا في هذه الحرب اللئيمة أشدّ أنواع الويل، فاحتللتم بلادَنا وقسَّمتموها بينكم ظلماً وعُدواناً وأعطيتم فلسطينَ لليهود لقمةً سائغةً؟! أجل، أيُّ سلامٍ هذا أيها المفترونَ؟! وأنتم أيها العرب كيفَ تجلسونَ معهم وهُمُ الغدرة الفجرة؟!

وإنّني إذْ أهنِّئ الفصائلَ المقاوِمةَ في غزّة جميعاً: حماس وفتح والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية وغيرها، على صمودها في أرضِ الآباء والأجداد، وتحدِّيها للقوات اليهودية الغازِيَة على كثرةِ أعدادها وشوكةِ عَتادِها، خاصّاً منها حماس بهذه التهنئة لجليل مواقفها وعديدِ ما قدَّمتْه وتقدّمه من أبنائها شهداءَ، لأُنوِّهُ مُجدَّداً ببطلَها الباسل نور هذا على عظيمِ تضحياته وجميلِ خاتمته بالشهادة في سبيل الله أسمى ما يُتوَّج به جبين حرٍّ، لَقِيَ وجْه ربه صابراً محتسباً، متمنطقاً بأعتدته النارية حتى جاءتْه منيَّتُه ويدُه على الزناد، متَّخذاً من شهادته العلمية (الماجستير في الشريعة الإسلامية) من المدينة المنوّرة، طريقَه إلى رِضوان الله.

وإذا كنتُ لا أنسى - ولن أنسى إن شاء الله – أصحابَه الشهداء الخمسة الآخرين من حماسَ وغيرِها، أنْ أُبارِكَ لهم بتاج الفَخارِ الشهادة العظيمة، لَيَحْلُو لي ويطيب أنْ أطبعَ على جبينِ كُلٍّ منهم حيّاً أو مَيْتاً كلمات الله النورانية، من قوله سبحانه: (ولا تحسبنَّ الذين قُتِلوا في سبيلِ اللهِ أمواتاً، بل أحياءٌ عندَ ربِّهم يُرْزَقونَ * فَرِحينَ بما آتاهُمُ اللهُ من فضله، ويستبشِرونَ بالذينَ لم يلحقوا بهم من خلفهِمْ، ألاّ خوفٌ عليهم ولا هُمْ يحزنونَ)، وقوله – صلى الله عليه وسلم -: (عينانِ لا تمسّهُما النارُ: عينٌ بَكَتْ من خشيةِ اللهِ، وعينٌ باتَتْ تحرُسُ في سبيلِ اللهِ).

            وإنّه لمما يُشرِّف الفصائلَ المقاوِمة في فلسطينَ عامّةً وغزّةَ خاصّةً، وعلى رأسها منظّمة حماس، أنْ يصدُقَ عليها – وهي تدفَعُ عن أرض الإسراء والمعراج بني صهيون الغُزاة يجوسونَ خِلالَ الديار، على الرغمِ من تجافي بني عمومتهم العرب عنهم، ووقوفِ أكثريّتهم منهم موقفَ المتفرِّج أو المتخاذل، بل الشامت بما يصيبهم - قولُ رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (إذا فَسَدَ أهلُ الشام فلا خيرَ فيكم. لا تزالُ طائفة من أمّتي منصورِينَ، لا يضرُّهم مَنْ خَذَلَهم حتَّى تقومَ الساعةُ)، وفي روايةٍ: أنّه لمّا سُئِلَ: (أينَ هم يا رسولَ الله؟ قال: في بيتِ المقدس وأكنافِ بيتِ المقدس)!!

            وأختمُ مقالي - مباركاً للمجاهدين في تلك الديار المقدّسة من ثُلَّةِ (نور بركة) وأسلافه وأخلافه، مِمَّنْ يقومُ مقامهم – بقول الشاعر الأشهب بن رُمَيْلة:

وإنَّ الأُلَى حانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهم

                        هُمُ القومُ كُلُّ القومِ يا أُمَّ خالِدِ

هُمُ ساعِدُ الدَّهرِ الذي يُتَّقَى بِهِ

                        وما خَيْرُ كَفٍّ لا يَنوءُ بساعِدِ

أُسودُ شَرَىً لاقَتْ أسودَ خفيَّةٍ

                        تساقَوْا على حَرْدٍ دِماءَ الأَساوِدِ

ونَصَرَ اللهُ إخواننا المجاهدين من كُلِّ أبناء فلسطين وقَمَعَ عدوَّهم، وأخزى كُلَّ مَنْ لا يكون في صفِّهم من بني الجِلْدة وهو قادرٌ على مساعدتهم ودفْع الغارةِ عنهم، أولئكَ أخلافُ منافقي العرب زمانَ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم، عادوا في هذا العصر ووُدُّهم لليهود كما كان أولئك، غيرَ أنَّ هؤلاء سيذهبونَ إلى مزابل التاريخ ولعنة الأجيال، كما ذهبَ أولئك ...

المصدر: فلسطين الآن