الخميس 13 ديسمبر 2018 01:40 ص

كيف أصبحت جريمة قتل خاشقجي هدية لإيران؟

الأربعاء 14 نوفمبر 2018 10:22 م بتوقيت القدس المحتلة

كيف أصبحت جريمة قتل خاشقجي هدية لإيران؟
أرسل إلى صديق

نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالا لأستاذ العلوم السياسية والدبلوماسية المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، وعميد معهد جون هوبكينز في واشنطن، فالي نصر، يقول فيه إن إدارة ترامب ليست مستعدة للاعتراف، لكن استراتيجيتها في الشرق الأوسط، تعاني من مشكلات عميقة، وزادت الآن مع قتل الصحافي المعارض جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في تركيا الشهر الماضي.

ويقول الباحث في مقاله، الذي ترجمته "عربي21"، إن "ضغط الإدارة حديثا على السعوديين بأن يجدوا سبيلا لوقف إطلاق النار في اليمن يعد مؤشرا واضحا على مدى تراجع مصداقية السعودية، التي تقع في قلب الاستراتيجية الأمريكية للشرق الأوسط، وربما حتى في عيني الرئيس ترامب".

ويشير نصر إلى أن "هدف الاستراتيجية هو العمل مع السعوديين لاحتواء النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، وبدلا من ذلك فإنه يمكن أن نتوقع أن نرى شعورا متناميا بالارتياح في طهران حول مد نفوذها، حتى وهي تحاول التأقلم مع العقوبات الاقتصادية الصارمة التي أعيد فرضها الأسبوع الماضي، وغالبا ما ستستخدم إيران مساحة المناورة هذه في التوصل إلى اتفاقيات بدلا من استخدام العدوان لبسط النفوذ".

ويقول الكاتب: "ليس الأمر وكأن إيران تتوقع تغيرا في السياسة الأمريكية تجاهها عقب قضية خاشقجي، وبدلا من ذلك فإنه من المرجح أن يؤدي تراجع الثقة في السعودية في المنطقة كلها لتأكيد القيادات الإيرانية حكمة استراتيجيتهم الحالية، وإدارة الضغط من أمريكا بحشد الإمكانيات المحلية، والاعتماد على أوروبا والصين وروسيا لإبقاء القنوات الاقتصادية مع إيران مفتوحة، ولتعزيز التحالفات ومواقع التأثير السياسية الإيرانية".

ويلفت نصر إلى أن "إيران تمكنت، على مدى العام الماضي، من تجنب مواجهة مع أمريكا؛ لأنها مطمئنة من التزام روسيا في البقاء في سوريا، ولا تظهر إيران أي مؤشر على هجرها لسوريا، حتى عندما تبقى صامتة تجاه الغارات الإسرائيلية المتكررة على القواعد الإيرانية هناك".

ويفيد الباحث بأن "التوقعات بحصول مواجهات في العراق بعد أن تم حرق القنصلية الإيرانية في البصرة في أيلول/ سبتمبر أثبتت عدم صحتها، وبدلا من ذلك قامت إيران بصمت بمساعدة العراقيين لتشكيل تحالف سياسي قام بتشكيل حكومة بالاعتماد على المليشيات المدعومة إيرانيا التي تريد أمريكا حلها".

ويقول نصر: "الآن، قد تتوقع القيادات في طهران أن السعودية التي أضعفت قد تضطر إلى وقف الحملة العسكرية في اليمن، ورفع الحصار عن قطر، وسعى الإيرانيون طيلة الوقت إلى المحادثات مع السعوديين، الذين قد يكونون مستعدين للتفاوض -خاصة إذا ما أنصت السعوديون للنصح الأمريكي بإنهاء الحرب في اليمن- وقد تجد الحكومة في الرياض أن من الضروري أن تصلح العلاقات مع إيران لموازنة علاقاتها مع تركيا، التي كانت منحازة إلى قطر، وتوترت أكثر بسبب اغتيال السعودية للصحافي على أرض تركية".

ويرى الكاتب أن "الهدوء التي اتسمت به إيران قد يعطي القادة الإيرانيين المزيد من الثقة في قوتهم التفاوضية، ربما إلى حد التفاوض مع أمريكا بخصوص برنامجها النووي والصاروخي، وتبدو دوائر الحكم في طهران بأنها واثقة من أن الاقتصاد امتص صدمة العقوبات الأمريكية، وأن بإمكان إيران بيع ما يكفي من النفط الإيراني، وأن يكون هناك ما يكفي من التجارة مع أوروبا والصين وروسيا والهند لإبقاء الاقتصاد واقفا على قدميه، وقام كل من المحافظين والمعتدلين بتشكيل جبهة موحدة ليلتف الشعب حول الراية، ولصد أي سخط شعبي قد تأمل أمريكا بأن يحصل بسبب المعاناة الاقتصادية".

وينوه نصر إلى أن "إدارة ترامب سخرت من الصفقة النووية، وادعت بأنها فشلت في الحد من النفوذ الإقليمي الإيراني، مدعية أنها تريد اتفاقية أخرى تكون قوية بشكل كاف لتحقق ذلك، لكن ترامب سيجد أنه أصبح من الأصعب عليه الآن أن يفي بوعده بإجبار إيران على الجلوس على طاولة المفاوضات، وبحسب شروطه، فإن استجابت إيران أصلا، فلن تكون في موقع ضعف شديد، وكل ما تحتاج إيران فعله هو أن تبقى ملتزمة بالاتفاقية التي وقعتها مع أوباما، وأن تجعل ترامب يدرك بأن استراتيجية (أقصى قدر من الضغط) لا تحقق المقصود، وعندها قد تكون طهران مستعدة للتفاوض".

ويفيد الباحث بأن "إدارة ترامب ظنت منذ البداية بأن بإمكانها الحد من النفوذ الإيراني، من خلال إنشاء شراكة وثيقة مع ولي العهد السعودي الشاب محمد بن سلمان، لكن سلسلة من الأخطاء السعودية، كان أفظعها جريمة قتل خاشقجي، كانت نتائجها عكسية، تاركة لإيران مساحة مناورة للمبادرات الاستراتيجية".

ويذهب نصر إلى أن "الاعتماد على السعودية لاحتواء إيران كان دائما موضع شك، فلم تنجح السعودية أبدا في مواجهة الوجود الإيراني الإقليمي، وفي السنوات الأخيرة تنامى النفوذ الإيراني، فمثلا غسلت السعودية يديها من سوريا، تاركة أمريكا للتعامل مع إيران وتحديد نهاية لذلك الصراع".

ويجد الكاتب أن "أكبر الأخطاء بدأت عام 2015 في حرب اليمن غير المدروسة، وتبعها العام الماضي حصار فشل في عزل قطر، ثم احتجاز رئيس الوزراء اللبناني لأسابيع بسبب فشله في التخفيف من الاعتماد على حزب الله، وتلك كانت كلها محاولات خرقاء لتخيف العرب الآخرين من التعامل مع إيران وحلفائها، وكلها أتت بنتائج عكسية، فوجد اللاعبون الأساسيون في المنطقة -بمن فيهم حلفاء أمريكا- أن السعودية تشكل تهديدا أكبر من تهديد إيران". 

ويرى نصر أن "قضية خاشقجي كانت حدثا مفصليا، فقد أبرزت ضعف استراتيجية ترامب، حتى في الوقت الذي أضعفت فيه ولي العهد نفسه، ومعها الدعم لشراكته مع أمريكا، فأصبحت إمكانيات السعودية بمساعدة إسرائيل في احتواء إيران، وتقديم الغطاء السياسي لاتفاقية نهائية مع الفلسطينيين، أمورا مستبعدة، وأضعفت يد إسرائيل، وفي الوقت ذاته ارتفعت مكانة تركيا، التي تسعى لنفوذ إقليمي أوسع، وشاركت إيران القلق بسبب التحالف الناشئ بين إسرائيل والسعودية".

ويقول الباحث: "أصبح من الواضح الآن أن السعودية ليست قادرة على قيادة تحالف إقليمي لطرد إيران من سوريا ولبنان والعراق واليمن، وما لم يرغب ترامب في إرسال أعداد كبيرة من الجنود الأمريكيين لفعل ذلك، ثم يلتزم ببقائهم لئلا يعود النفوذ الإيراني، فإن بإمكانه أن يأمل في استقرار إقليمي فقط بالتركيز على إنهاء حروب الشرق الأوسط، ثم عليه أن يضع جانبا أمله في أن استراتيجية (أقصى قدر من الضغط) يمكن أن تنجح في التعامل مع إيران في القضايا الإقليمية، والقبول بتلك الحقائق لن يلغي النفوذ الإيراني، لكنه قد يضع حدودا عليه، ويوفر الوقت للعالم العربي لأن يتعافى ويعيد البناء، وهو في المحصلة أفضل سبيل للحد من النفوذ الإيراني". 

ويختم نصر مقاله بالقول: "بالنسبة لإيران، فهي لا تحتاج أن تستعرض عضلاتها، بل هي بحاجة فقط لانتظار إدارة ترامب لتفهم التوازن العسكري في الشرق الأوسط، وفي الوقت الذي يتبخر فيه سراب نظام عربي بالنسبة لترامب، فإن هناك حقيقة قاسية تتجلى: ليس هناك أي تحد عربي قوي للنفوذ الإقليمي الإيراني، وليس هناك أي احتمال للتقليل منه بالتهديدات الأمريكية المتبجحة".

المصدر: وكالات