533 إزالة الصورة من الطباعة

كيف تعيش محبطًا وتموت مكتئبًا؟

الجميع يبحث عن السعادة والراحة والطمأنينة والهدوء والاستقرار ويسعى بجد واجتهاد ليصل إلى مرحلة عمرية يجني فيها ثمار التعب والمشقة التي بذلها غالب حياته ليصل إلى هذه الحالة الهادئة. وفي أثناء هذه الرحلة متقلبة الظروف والأحوال ينصح المتخصصون في الصحة النفسية وعلماء الإرشاد النفسي أن يوجد الإنسان لنفسه محطات للراحة والاستجمام يرتاح فيها من عناء الرحلة الشاقة ويتجهز فيها للأشواط التالية في حياته.

فمن الناس من يعتقد أن هذه المحطات يمكن أن تكون مع الأصدقاء المقربين أو العائلة خارج البيت أو داخله، كما يعتقد بعضهم أن رحلة إلى البحر أو الحدائق أو الجبال يمكن أن تؤدي هذه المهمة المريحة، وبعضهم ينفرد بنفسه ويرافق الكتاب أو فنجان القهوة. والغريب أن هذه الأماكن والمواقف بل والأشخاص تصبح مصدرًا للقلق والتوتر والانزعاج رغم أنها ينبغي ألا تكون كذلك وتصبح كمنطقة الراحة التي يلجأ إليها الإنسان عند القلق والتوتر. وفي رأيي وخلال المرحلة الأخيرة في حياتي جمعت بعض الأشياء التي أعتقد أنها تسبب الأذى النفسي للناس رغم أنها محبوبة في المجمل:

الأول: الكلام مع الأشخاص الحمقى أو التافهين ففي مرحلة من الحياة يمكن أن يكون الحوار مع هؤلاء مصدرًا للبهجة والسعادة والتندر والفكاهة لكن مع مرور الوقت يتحول الحوار المتراكم معهم إلى مصدر مزعج وسخيف وسطحي ومؤذي للحالة النفسية ولو اطلع أحدنا على مواقع التواصل الاجتماعي لوجد من هؤلاء العجب فبعضهم عاشق للحزن والكآبة رغم أنه ليس كذلك فيضفي شعورًا من القلق والتوتر على المتابعين رغم أنه يشرب فنجان الشاي ويجلس مرتاحًا لكن يصدر للآخرين شعور الوحدة والكآبة ليحصل على شيء ما.

الثاني: أكل الطعام السريع، فقد يكون في مرحلة ما طعامًا شهيًا ممتعًا مميزًا بزيوته وتوابله ونكهاته المنفردة، إلا أنه يسبب إشكاليات نفسية قبل الإشكاليات الصحية، ومع مرور الوقت تغلب المتاعب الصحية على النفسية بسبب هذا النوع من الطعام، فقد يكون بهجة وقتية ثم يعقبها ألم نفسي وصحي قد يؤثر بشكل مباشر على حياة الإنسان.

الثالث: مشاهدة التلفزيون، وهي متعة ولا شك، لا سيما في الموضوعات الجادة والمحترفة حتى لو كانت في نطاق الترفيه إلا أنها منطقة راحة مؤذية بسبب التعلق بها ثم الرتابة المانعة من الإنجاز وتحقيق الأهداف ولك أن تتخيل حال الكثيرين من الجالسين أمام التلفزيون لساعات طويلة يشربون ويدخنون ويضحكون ويبكون وآلة التحكم عن بعد في أيديهم حتى تسقط رؤوسهم على صدورهم من النوم وهكذا كل يوم.

الرابع: التعامل مع نقص الكفاءة: هذا الإنسان الذي يزعم أنه يعرف ويتقن ثم تكتشف أنه لا يتقن ولا حتى يعرف فلا هو قضى لك طلبك ولا هو أعانك على هدفك بل ضيع وقتك ومالك وجهدك بل وفي بعض الأوقات مستقبلك، فمن اللافت أن هؤلاء الأشخاص من الممكن أن تساعدهم وتتعامل معهم في مرحلة من حياتك لكنهم مع مرور الوقت يصبحون عقبة كؤودًا في حياتك.

الخامس: التفكير أنك مسؤول عن إنقاذ العالم أو تعديله: وهي أزمة نفسية قبل أن تكون فكرية فهو شعور مريح حماسي داعم ومحفز في مراحل الحياة المبكرة لكن مع مرور الوقت وزيادة الخبرة يكتشف الواحد أنها جريمة في حق نفسه وحياته وأسرته فالنصح والتوجيه والإرشاد للآخرين مهم لكن المسؤولية المباشرة هي على نفسي وليست على أحد فليتني اهتممت بنفسي وأسرتي قبل اهتمامي بالعالم كله هكذا يقول لنفسه بعد فوات الأوان.

السادس: البقاء في علاقة مضطربة فاشلة، وهي أزمة كبيرة في العالم العربي حيث تبقى الرجال والنساء في علاقات زوجية فاشلة بزعم رعاية الأطفال أو أحوال المجتمع أو البيئة فيظن الواحد منهم أنه يفعل عملًا عظيمًا مميزًا بالحفاظ على البيت والعيال ثم يكتشف أنه في ورطة وأنه ارتكب جريمة في حق نفسه وزوجته بل وعياله والمجتمع وهو يظن أنه سيصبح بخير وفي خير.

السابع: حين يعتقد أن الأفكار أولى من المشاعر: ثم يكتشف بعد مرور الزمن أن المشاعر أولى على كل حال فالأفكار تنخدع وتتأثر بالمجتمع والبيئة أما المشاعر فهي نقية صافية لا ينبغي العدول عنها بزعم المنطق والفكر.

الثامن: مقارنة أسعار السلع المختلفة حيث تكون المفاضلة في بداية الحياة كنوع من التوفير أو حتى المباهاة بزعم أن الغالي ثمنه فيه لكن سيكتشف مع مرور الوقت أن العبرة بما تحتاجه بقطع النظر عن ثمنه الغالي أو المتواضع فما كان يعتقده حكمة ودهاءً أصبح يعتبره حماقة.

التاسع: الأزمات المرورية فالجميع يعتقد أن العيش في العواصم الكبرى والمدن الشهيرة شيئًا إيجابيًا لأسباب متنوعة متعددة وأنها مصدر من مصادر العيش المرفه والنافع ثم مع مرور الوقت يصبح هذا الأمر مصدر إزعاج يفوق التحمل ويتمنى الإنسان وقتها لو لديه شقة أو بيت في الضواحي أو الريف يلجأ إليه في مراحل الانزعاج والتوتر التي يلقاها بسبب المدن الكبرى سواء في الازدحامات المرورية أو تعقيدات السكنى في العواصم.

العاشر: متابعة مباراة بين ديكوفيتش ونادال أو فيدرير في نهائي بطولة ويمبلدون فأنا من جيل بوريس بيكر وإيفان لندل أو بيت سامبراس وكنت أعشق البقاء متسمرًا أمام التلفزيون لمتابعة مباراة من خمس مجموعات كل مجموعة تتألف من ثلاثة عشر شوطًا لتستمر المباراة زهاء خمس ساعات وبعضها يكمل في اليوم الثاني ولا شك أنها بهجة لمحبي هذه الرياضة وأنا منهم لكن يتساءل المتابع لماذا يصر اللاعب على ضرب الكرة بيده قبل الإرسال عشرات المرات قد تصل للعشرين وأنا أنتظر منه الإرسال؟ الذي من الممكن أن يضطر لإعادته لو لامس طرف الشبكة أو حتى خرج خطًا فله محاولتان مع كل إرسال، لماذا يصر بعض اللاعبين على استخدام المنشفة بعد كل نقطة؟ وذاك الطفل المسكين يحمل المنشفة المتعرقة بل تقذف في وجهه في بعض الأوقات دون قصد أو تعمد، ينبغي أن يعاد النظر في قوانين هذه المتعة الحسية والمعنوية التي أصبحت مصدرًا للإزعاج. ليس كل ما تعتبره مريحًا يبقى مريحًا إلى الأبد، انتبه لنفسك فلست تملك سواها.