الإثنين 24 سبتمبر 2018 10:43 م

حرب الغاز تلوح على سواحل الشام

السبت 24 فبراير 2018 10:21 ص بتوقيت القدس المحتلة

حرب الغاز تلوح على سواحل الشام
أرسل إلى صديق

عبد الستار قاسم

طالما تحدث العالم عن حرب الغاز، لكنه لم يكن يقصد سواحل الشام وإنما قصد روسيا والمنطقة العربية الإسلامية وأواسط آسيا، والأهم أنه كان يقصد شبكات الأنابيب التي تنقل الغاز من مناطق الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك.

وسبق أن حصل توتر في العلاقات بين بعض الدول بسبب خطوط سير أنابيب الغاز، وعدد من الدول تعتبر أن خرائط خطوط الغاز -التي أقرتها دول أخرى- تؤثر سلبا على مداخيلها المالية، وهناك دول أصرت على تصميم هذه الخرائط بطريقة معينة لإلحاق الأذى بدول أخرى.

روسيا وإيران وقطر استنفرت قواها الدبلوماسية والسياسية حتى لا تتأثر مبيعاتها ومداخيلها من الغاز. وقد فكرت أوروبا بالمساهمة في مد أنابيب غاز تلتف حول الغاز الروسي كنوع من العقوبات لروسيا، ولكن حدة موقف أوروبا فترت مع الزمن.

ثروات ساحل الشام

الحديث عن حرب الغاز يتمحور الآن في منطقة مياه الشام شرقي البحر الأبيض المتوسط. ومن المعروف -منذ أكثر من عقدين- أن سواحل غزة غنية بالغاز، وهي ثروة كبيرة بحيث إنها يمكن أن توفر الاحتياجات المالية للشعب الفلسطيني في كافة أماكن وجوده، ويمكن أن تحل بسهولة مشكلة الكهرباء في قطاع غزة.

لكن الاحتلال يمنع استغلال هذه الثروة، ومن المحتمل أن يستغلها يوما لصالحه إذا توفرت الشروط الدولية المناسبة. الفلسطينيون لم يثيروا هذه المسألة على مستوى عالمي، والمطلوب منهم الآن أن يفعلوا ذلك.

المياه الإقليمية والاقتصادية لغزة تحت الاحتلال، ويُحظر على الاحتلال -وفق القوانين الدولية- أن يستغل ثروات الأرض التي تقع تحت احتلاله. هناك مدخل قانوني أمام الفلسطينيين لإثارة القضية وإشغال الأمم المتحدة بها، لكن المأساة أن دولة عربية وهي الأردن وقعت اتفاقيات مع الكيان الصهيوني لاستيراد الغاز الفلسطيني المغتصب صهيونيا (كما وقعت مصر قبل أيام اتفاقية بقيمة 15 مليار دولار لاستيراد الغاز من الكيان).

لقد تم اكتشاف حقول غاز ضخمة منذ سنوات في المياه الاقتصادية لبلاد الشام (ومنها فلسطين) التي كانت غائبة عن المشهد الاقتصادي، لكنها وعت الأمر بعدما توصلت قبرص مع الكيان الصهيوني إلى ترسيم المياه الاقتصادية لهما.

لبنان وسوريا كانا غائبين، لكن لبنان استدرك الأمر وسارع إلى ترسيم مياهه الاقتصادية التي تضم حقول غاز هامة. وقد جاء هذا الترسيم متأخرا جدا عن جهود الصهاينة المسحية والتنقيبية، إذ إنهم باشروا منذ زمن بناء منصات الحفر والاستخراج بالبحر المتوسط.

ثارت قضية القاطع أو الحوض رقم 9 الذي يقول لبنان إنه ملكه وحده، واعترض الكيان الصهيوني على هذا القول وادعى أن جزءا منه على الأقل يتبع لمياهه هو.

وقد تدخل الأميركيون وسطاء لحل الإشكالية، واقترح أحدهم -وهو فريدريك هوف- خطا داخل القاطع رقم 9 عُرف بـ"خط هوف". وأوصى هوف بإعطاء الصهاينة 45% من الحوض، أو ما يعادل حوالي 350 كم2 من أصل 860 كم2.

لبنان لم يوافق على هذه التوصية وأصر على ملكية الحوض. وبما أن لبنان على وشك البدء في عملية الحفر؛ فإن التوتر قد ارتفع بينه وبين الكيان الصهيوني، وبرزت التهديدات والتهديدات المضادة.

رفض المقترح الأميركي

سارع الأميركيون إلى التوسط بين الجهتين، وجاء ديفد ساترفيلد -مساعد وزير الخارجية الأميركي- إلى المنطقة لاحتواء الأزمة التي قد تنفجر أي وقت. وفي النهاية اقترح ساترفيلد تقسيم الحوض بحيث يحصل لبنان على 60% منه مقابل 40% للصهاينة.

والتقدير يفيد بأن الأميركيين قدموا هذا الاقتراح بعدما حصلوا على موافقة الصهاينة، أي ان الكيان الصهيوني أبدى مرونة بهذا الشأن، ومن المحتمل أن يبدي مرونة أكبر في المستقبل إذا استمر الموقف اللبناني على ما هو عليه.

اجتمع ساترفيلد مع مسؤولين لبنانيين منهم رئيس الوزراء سعد الحريري، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ووزير الخارجية جبران باسيل. وأعلن بري الموقف اللبناني الرافض للمقترح الأميركي. والبديل -كما أعلن بري- يتم عبر اللجنة الثلاثية المعروفة بلجنة تفاهم نيسان عام 1996، والمكونة من لبنان وأميركا وفرنسا.

وهذه اللجنة في الحقيقة رباعية وليست ثلاثية، من حيث إن الكيان الصهيوني هو رابعها ولكنه لا يوجد في الاجتماعات التي يشارك فيها لبنان، لكون الأخير يرفض اللقاء أو التفاوض المباشر مع الكيان الصهيوني.

حاول الأميركيون مقايضة اللبنانيين بمسألة الجدار الذي يبنيه الكيان على الحدود الاستعمارية بين لبنان وفلسطين، حيث يتهم لبنانُ الصهاينةَ بأنهم يتجاوزون الخط الأزرق بين فلسطين ولبنان، ويقول إن عليهم الخروج من لبنان تماما وألا يتعدوا حدوده ولو بسنتيمتر واحد.

وقد رد لبنان بأن مسألة المياه الاقتصادية اللبنانية أهم بكثير من مسألة الجدار، ويجب حل المشكلة الاقتصادية أولا، كما يجب عدم الجمع بين القضايا.

يردد الإعلام اللبناني وعدد من المسؤولين اللبنانيين أن الحوض رقم 9 مياه لبنانية خالصة، ولن يتم التنازل عن أي قطرة ماء منه. وبعضهم يقول إنه إذا أراد الكيان الصهيوني الحرب فإن لبنان لن يتردد في خوضها.

ما الذي كان يمكن حصوله لو أن هذه المسألة ثارت في ستينيات القرن الماضي؟ ببساطة كان الكيان الصهيوني سيرسل سفنه الحربية وغواصاته وقوارب صواريخه إلى الحوض رقم 9 ليسيطر عليه، ويدمر كل هدف عسكري أو مدني عربي يقترب منه. لم يكن من الممكن آنذاك أن يجد العرب فرصة للدبلوماسية لأن الكيان كانت يده هي الطولى.

الصهاينة يؤكدون الآن أن لهم نصيبا في الحوض رقم 9، لكنهم ليسوا على استعداد لاستعداء لبنان بطريقة سافرة لأن معادلات القوة في المنطقة تغيرت وتبدلت، ويبدو حديث الصهاينة الآن منسجما مع ميزان القوى الذي تبلور في المنطقة. لم يعد الكيان صاحب اليد المطلقة الذي يزبد ويرعد دون أن يجد من يوقفه. والدليل واضح في تراجعه عن 45% للقبول بـ40% من مساحة الحوض.

استبعاد الحرب.. ولكن

الصهاينة ليسوا مستعدين للحرب الآن لعدة أسباب، هي:

- الجبهة الصهيونية الداخلية ليست قوية بما فيه الكفاية، ويمكن أن تؤدي أي حرب إلى مزيد من تفككها وفقدان الحكومة لظهيرها الاجتماعي. يحاول الكيان منذ سنوات بناء عكازات لجبهته الداخلية والاستعانة برافعات نفسية ومالية، ولكن غضاضة المجتمع ما زالت قائمة.

- عدم جهوزية القوات البرية؛ فهناك تقدير لدى الكيان بأن القوات البرية ليست في أفضل حالاتها ويمكن أن تندحر، خاصة إذا تم تهديد سلاح الجو الذي يشكل غطاء الأمان للدبابات والمدافع وقاذفات الصواريخ.

- الكابوس الذي يمثله حزب الله؛ طبعا لا أحد يعلم بالضبط ما الذي يملكه حزب الله من أسلحة، لكن التقديرات الصهيونية تضع أمامها أعدادا كبيرة من الصواريخ التي تصل إلى مختلف أنحاء فلسطين المحتلة. لو كان الكيان واثقا من النصر لما تردد في شن الحرب، لكن يقينه بالنصر لم يعد قائما، وهو ليس مستعدا للمغامرة بوجوده من أجل براميل غاز.

"الكيان تردعه ظروفه الداخلية والعسكرية عن خوض حرب من اجل الغاز، ولبنان تردعه منافسات قواه السياسية الداخلية. وأيضا ليس متوقعا أن يطلب مجلس الدفاع اللبناني من حزب الله تدمير منصات الغاز الصهيونية كيلا يكسب الحزب رصيدا جديدا لصالحه على المستويين اللبناني والعربي"

أعلن حزب الله موقفه بوضوح، وهو يتلخص في الاستجابة للقيادة العسكرية والسياسية للبنان. الحزب يقول إنه لن يأخذ مبادرة حربية على عاتقه ضد الصهاينة، بل ينتظر قرارا من المجلس الأعلى للدفاع.

إذا قرر المجلس الأعلى للدفاع مواجهة الكيان الصهيوني، ووافقت القيادات السياسية على ذلك؛ فإن الحزب سيوجه صواريخه بداية نحو منصات الغاز الصهيونية المقامة قبالة الشواطئ الفلسطينية في البحر الأبيض المتوسط، وربما يقوم -في الخطوة التالية- بمهاجمة منطقة الجليل.

لا أرى أن لبنان يرغب في خوض الحرب بسبب أولوياته الداخلية السياسية والاقتصادية والإدارية. لكن الكيان الصهيوني أقل رغبة في الدخول في حرب. الكيان ليس واثقا من النصر، ولا يعرف بالضبط عدد الجبهات العسكرية التي ستُفتح ضده.

هل تدخل غزة الحرب إن نشبت؟ وماذا عن الموقف السوري؟ وهل جبهة الجولان جاهزة أم لا؟ وماذا عن إيران إذا تضايق حزب الله؟ الأسئلة الصهيونية حول هذه المسائل كثيرة ولا توجد أجوبة شافية. ومن الصعب على جيش أو دولة خوض حرب يلف ظروفَها غموض كبير، ولذا يُتوقع تنازل الكيان عن بعض مطالبه.

أما من ناحية حزب الله، فإنه ليس من المتوقع أن يطلب منه مجلس الدفاع الأعلى شيئا بسبب المنافسات بين الأقطاب السياسية الداخلية. الكيان تردعه ظروفه الداخلية والعسكرية، ولبنان تردعه المنافسات. وأيضا ليس متوقعا أن يطلب مجلس الدفاع من الحزب تدمير منصات الغاز الصهيونية كيلا يكسب الحزب رصيدا جديدا لصالحه على المستويين اللبناني والعربي.

أي أن المعايير ليست بالضرورة وطنية وإنما حزبية وفئوية وطائفية؛ ولهذا من المستبعد نشوب حرب في الظرف الراهن من أجل الحوض رقم 9. لكن علينا ألا نستبعد وجود تلك القشة البسيطة التي يمكن أن تهوي بالبعير.

المصدر: فلسطين الآن