الجمعة 21 سبتمبر 2018 03:04 م

الأم التي أردتها.. هي ذاتُها التي كُنتها!

الأربعاء 21 مارس 2018 04:10 م بتوقيت القدس المحتلة

الأم التي أردتها.. هي ذاتُها التي كُنتها!
أرسل إلى صديق

قبل أن يحضر طفلي لهذا العالم.. كُنتُ أهتم بالقراءة عن عالم الأطفال وأستمع لنظريات التعليم وأبحث في كيفية التعامل معهم. كما أُمعِنُ النظر في تفاصيل كُل علاقة تَمر أمامي بين أم أو أب وطفلهم، فأقيّمها أقارنها أُحاول تفهمها أتخيل طبيعة العلاقة التي تربطهم. أتخيل المشاكل التي يمرون بها وما هي الطريقة المُثلى لحل هذه المشاكل. أو دعوني أسميه سوء فهم بدل مشاكل.

فكثيراً ما يكون سوء الفهم من كل طرف هو السبب وراء كل مشكلة وخلاف وغالباً عندما كنت ألاقي طفلاً أتحدث معه وأبني جسراً بيننا دوماً كنت ناجحة مع الأطفال وأكسبهم لجانبي كان عالم الطفولة دوماً يثير انتباهي وفضولي فكم أتذكر علاقتي بأختي الصغيرة التي عندما ولدت كنت في سنٍ واعٍ فشهدت جميع مراحل نموها وكانت علاقتي بها جد جميلة وكان بيننا الكثير من المغامرات والمشاكسات والعوالم المشتركة.

كنت مهتمة بعالم الأطفال قبل زواجي وكنت متيقنة أنهُ سيبقى يشغلني حتى لو لم أُلقب بـ أم في المستقبل والسبب أنني مدركة جداً أن ثمّة طفلاً يعيش داخلي لن يكبُر مهما حاول جسدي إظهار ذلك.. في داخلي طفلٌ "ينمو" ولكن لا "يكبُر"! أي ثمة صفات كُنت أحاول دائماً المحافظة عليها وحمايتها من غزو الشيب وتربُّص التجاعيد وهي ذاتها الصفات التي ندفعُ أموالاً كثيرة لتوفرها الحضانات والمدارس لأطفالنا.. كالتفاعل الإيجابي مع السلوك "الخاطئ".. الشعرة بين الحرية والمسؤولية.. التعلم بالممارسة والتجريب أكثر من التلقين.. الاستكشاف دون سابق توجيه.. البحث دون ورقة إرشادية.. إطلاق العنان للأفكار والإبداع دون محددات أو قيود.. والخيال ثم الخيال ثم الخيال أليست هذه الأمور هي ذاتها التي نُفكر فيها غالباً حين نَهُم بقراءة كتاب؟

فعندما نشعر أن الكتاب يُسلمنا لحتميات هو اختارها وحددها ويقنعنا أن هذا هو الطريق الأوحد.. ترانا نُغلقه وننفر من ذاك الكاتب المُلَقِن.. لأن غايتنا من القراءة توسيع آفاقنا لا حصرها في زاوية! كذلك حين نرتاد المدارس.. ألا نسأم من المعلمين الذين يصنفون مواهبنا الخارجة عن المناهج التعليمية عبثاً وتراجعاً دراسياً وفشلاً ومضيعة للوقت؟! ألم تصفعنا أول الأماكن التي ظننا أنها ستحتضن مواهبنا واختلافنا بدلاً من حصر التفوق والنجاح بمواد محددة كالرياضيات والفيزياء.. ألم نسأم كذلك من تصنيفات المرشدين حين نخطئ وتحويلنا لشيطان رجيم.. دون أي تفكير في السبب الذي دفعنا لفعل ما فعلناه؟!

كذلك حين نذهب للعمل.. دائماً سنبحث عما يزيد إنتاجنا ويساعدنا على التطوير دون أن نتحول لآلات مُسيرة.. تُنَفِّذ دون أن تُعمِل عقلها وتحسن من نفسها ومن المكان! حتى وإن لم نُحقق ما نُريد ستبقى هذه الفكرة تراودنا حتى نجد عملاً آخر.. أو نغير من المكان الموجودين فيه إذن ما نود إيصاله لأطفالنا هو ذاته الذي نُريد أن نحميه داخلنا ونتمسك به مع مرور السنين! فنحن وهم بنفس الطريق.. وإن اختلفت المحطات والقوالب سيتجاوزوننا في بعض الأمور ويتفوقون علينا.. وقد نتفوق عليهم تارة أخرى.

ليس هذا المهم! المهم أننا نتعلم من بعضنا.. ليست علاقة مُرسل ومستقبل! ولسنا صُناع كتاب الحياة المثالية.. ولا أطفالنا مثاليون، نحن جميعاً نمارس هذه الحياة! صعوباتها وآلامها ستقع علينا على حد سواء، وتحدياتها ستلاحقنا جميعاً.. ففي الوقت الذي يتعلم فيه طفلي نطق كلمة أتعلم فيها نُطق كلمة من لغة أخرى مثلاً وفي الوقت الذي يختفي الشغف لدي، أراهُ متلألئاً في عينيه فأستفيق من ركودي وأحلق نحو أفق جديد.. وفي الوقت الذي يندهش هو من شيء جديد اكتشفه أندهش أنا باندهاشه.. تتسع عيناي مثله.. وأبتسم. هو أدرك أمراً جديداً.. وأنا أدركت كم نحن متشابهان.. كم أنا أريد أن أبقى مثله وأقتدي بعفويته وتلقائيته وأحمي الطفل داخلي بتأمله ومراقبة تطوره.. حما الله طفليّ طارق وصبا الصغيرة التي تسكنني. لذلك لمن سألني: شو بتقرأي عشان ابنك؟ أقول: أقرأهُ هو وأقرأُني.. وأقرأ كما كنت أقرأ سابقاً.

 

المصدر: وكالات