الأحد 23 سبتمبر 2018 10:45 م

رواية "كل الناس كاذبون" للكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل ​

الثلاثاء 14 أغسطس 2018 10:15 ص بتوقيت القدس المحتلة

رواية "كل الناس كاذبون" للكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل  ​
أرسل إلى صديق

أحمد القاضي

يمثل كل فصل من الفصول الخمسة التي تتألف منها رواية كل الناس كاذبون شهادة راو مختلف، جمعها وكتب آخراها الصحفي جان لوك تيرّاديّوس في محاولة منه لتركيب قطع الصورة المفككة لحياة وموت أليخاندرو بِبيلاكوا الغامض؛ الأرجنتيني الذي توفي في المنفى الإسباني قبل ثلاثين عامًا، وذاع صيته بفضل عمله الأدبي الوحيد، وهو رواية مدح الكذب، التي تعتبر تحفة فنية.

 أين عساك تجد الحقيقة في عالم تحكمه الأكاذيب الكثيرة؟ يتناول تحقيق الصحفي هذا السؤال.

 يتناوب أربعة رواة يستخدمون صيغة المتكلم على وصف ما يعرفونه - أو ما يتصورون أنهم يعرفونه - عن صديقهم وعشيقهم وعدوهم ببيلاكوا.

 كل راو يدلي بأفكاره الخاصة حول شخصية ببيلاكوا، ونشأته في بوينس آيرس وسجنه المبهم هناك؛ ثم نفيه إلى مدريد، والحادث الذي أنهى حياته.

 تأسر الرواية قراءها بحوارها الفكه وخط سردها المثير، لكن ما يستميلهم هو تصريحات الرواة المتضاربة. الأمر متروك للقارئ لتحديد من هو الكاذب ومن هو ببيلاكوا الحقيقي.

الشهادة الأولى والأطول يدلي بها ألبيرتو مانغويل، وهو مؤلف هذه الرواية، ويبدو أنها سرد دقيق لحياة ببيلاكوا، بما في ذلك قصة اكتشاف ونشر مخطوط روايته، ثم في وقت لاحق، سقوطه من شرفة منزل مانغويل ليلة الاحتفال بالعرض الأول لروايته.

 تتضمن شهادته بعض التلميحات التي يستشف منها أن ليس كل شيء كما يبدو عليه، إذ يعترف مانغويل بأن ذاكرته ليست موثوقة تمامًا، ويعترف على سبيل المثال: "أضيف إلى قصصه قليلًا من الدعابة والفانتازيا" - ولكن ليس ثمة ما يستدعي إثارة الشكوك حول روايته للأحداث كما عاينها.

أما الفصل الثاني فترويه أندريا صديقة ببيلاكوا، وهي التي عثرت على أوراق الرواية المكتوبة وسعت في نشرها دون علمه.

 وتشير أنه ليس كل ما تسمعه حقيقة، إذ تبدأ شهادتها بالقول: "ألبرتو مانغويل وغد. أيًا كان ما رواه لك عن أليخاندرو، فإني أراهن على خطئه بقطع ذراعي اليمنى". وتشير أيضًا إلى سبب عدم جدارة مانغويل بالثقة بقولها: "أعتقد أن عجز مانغويل عن الانتباه آت من إسرافه في القراءة. فكل تلك الفانتازيا، وكل تلك الاختلاقات – لا بد من أنها ستذهب بالعقل وتنتهي باختلاله".

الفصل الثالث عبارة عن رسالة بعثها إلتشانشو زميل بيلاكوا في السجن بالأرجنتين إلى تيراديوس يبين فيها روايته للأحداث. ويوضح فيها أيضًا سبب إدلاءه بالمعلومات في رسالة، وليس خلال مقابلة شخصية. ويبدأ بقوله: "لا أثق بالرسائل كنوع أدبي. إنها تدعي قول جزء من الحقيقة بشكل مستقل عن مؤلفها المكشوف [...]، بينما العكس هو الصحيح: ففي حالتي هذه لن يتسنى إلا لسارد واحد فقط الإدلاء بروايته للقصة".

يعقب رسالة السجين شهادة شرطي سري مصاب بمرض تركه في حالة وصفها بأنها ضباب أحمر أو كآبة مائية أو حلم. "أتقدم كمن اقتحم حديقة غيره، في الليل، في حلكة الليل، متحسسًا طريقي." وبالنظر إلى حالته الهذيانية، يبدو هذا الرجل إلى حد بعيد الأقل جدارة بالثقة من بين جميع الذين أجرى تيراديلوس معهم مقابلات، ولكن هناك جوانب في قصته - مثل شهادته على اختطاف ببيلاكوا - تجعلنا نثق به أكثر من غيره.

تتناقض الشهادات المتعاقبة مع بعضها البعض وهي تعيد تصوير الأحداث التي أفضت إلى موت ببيلاكوا. عندما تتراكم التناقضات ويتكشف السرد، نستعرض وصفًا معقدًا لشخصية ببيلاكوا المحزنة والمبهمة. العنصر المشترك الوحيد بين الشهادات هو أنه تَعّرَّضَ للتعذيب على يدي الشرطة السرية الأرجنتينية خلال حكم الطغمة العسكرية. يبدو أن الألم كان واقعه الوحيد.

لا ندرك حتى نصل إلى نهاية الرواية أننا سنحرم من رضا اكتشاف "الحقيقة".

طبيعة الكذب أساسية في الرواية، وهي حاضرة سواء في عنوان الرواية الفعلي، أو في عنوان تحفة ببيلاكوا الخيالية "مدح الكذب".

لعل من المثير للاهتمام معالجة هذا الأمر من خلال الرواية، إذ إن كل رواية خيالية هي في الأساس كذبة، والكتابة هي التي تقنع القارئ بأن شيئًا لم يحدث أبدًا قد حدث، ولكن القارئ ربما يصادف حقيقة عميقة بين طياتها.

يقوم مانغويل بأكثر من مجرد زرع بذور الشك في ذهن القارئ حول مدى موثوقية هؤلاء الرواة المختلفون. لما يجمع تيراديوس شهادات مؤرخي الأحداث هؤلاء، يظهر أنه ينجح في تجنب فداحة اعتماد أحد أوجه رواية الأحداث، لكن يبقى ما إذا ساهم ذلك في تقريبه وقارئيه من الحقيقة أم أبعدهم موضع تساؤل. كل شهادة بما فيها من معلومات جديدة تعقد الصورة وتشوش الذهن بشأن الحقائق التي سردت آنفًا، مما يؤدي إلى تغيير القصة ومجرياتها.

نسجت الرواية نسجًا بارعًا يوحي بصعوبة عرض سيرة ذاتية على الورق، وتوضح عدم موثوقية الذاكرة ورواة القصص، خاصة عندما تتنوع دوافعهم وأوهامهم الذاتية.

"كل الناس كاذبون" تبلبل حتى وجه روايتنا الخاص للحقيقة في هذا العالم الزجاجي. يقول تيراديوس: "كيف لنا أن نعلم، وسط كل تلك الوجوه المتباينة التي تعكسها لنا المرايا، أي وجه يمثلنا أصدق تمثيل وأيها يخدعنا؟"

المصدر: وكالات