الإثنين 10 ديسمبر 2018 10:05 م

التصعيد في غزة يرسم ملامح مرحلة جديدة

الأربعاء 14 نوفمبر 2018 08:45 ص بتوقيت القدس المحتلة

التصعيد في غزة يرسم ملامح مرحلة جديدة
أرسل إلى صديق

حازم عيّاد

المواجهة الدائرة بين المقاومة في قطاع غزة والكيان الاسرائيلي ترسم ملامح مرحلة جديدة ليس في قطاع غزة وفلسطين بل في المنطقة بأكملها؛ فالتصعيد والمواجهة جاء بعد سلسلة من الاحداث والمتغيرات الكبرى في فلسطين والمنطقة كان ابرزها مسيرات العودة في قطاع غزة التي ألقت الضوء على طبيعة الصراع والمواجهة خصوصا في قطاع اذ وضعت حصار غزة على رأس الاجندة الاسرائيلية

 والاقليمية.

حالات التصعيد المحدودة والعابرة التي تخللت المسيرات ترافقت مع احداث كبرى في الاقليم، كان ابرزها تفاعلات الازمة السورية والملف الايراني وازمة حصار قطر والازمة اليمنية واخيرا ازمة اختفاء خاشقحي، وتبعها موجة تطبيع فجة لا تملك أفقا حقيقيا في المنطقة؛ اذ تستند الى مقولات ومشاريع متضاربة وتحالفات آنية هشة ترفع من مستوى المخاطر المترتبة على التصعيد في الاراضي الفلسطينية في ظل تعطل العملية السياسية واخفاقات ادارة ترمب المتتابعة في طرح مشروعه السياسي.

لم تقتصر المتغيرات المتسارعة على الازمات بل تميزت بمتغيرات سريعة وقف على رأسها مؤخرا فوز الحزب الديمقراطي في انتخابات البرلمان النصفية للكونغرس الامريكي، مضعفة من قوة وزخم السياسة المتبعة من قبل ادارة ترمب لتسير بالتوازي مع تفاعلات داخلية في الكيان الاسرائيلي تهدد مكانة نتنياهو ومستقبله السياسي وتضعه على حافة الهاوية.

المتغيرات السابقة اجتمعت لتتفاعل بقوة ظهرت على شكل حالة من التجاذب القوي والمستمر لملف المصالحة ورفع الحصار؛ اذ تركزت الجهود المبذولة على رفع الحصار عن قطاع غزة مسنودة بالجهود المصرية التي ترى في قطاع غزة مسألة امن قومي ومجال حيوي لا يمكن تجاهله؛ فالقطاع خاصرة هشة ومقلقة في ظل اوضاع داخلية واقليمية متأرجحة، مسرعة بذلك جهود رفع الحصار، دافعة لتجاوز معوقات السلطة في رام الله، وقافزة على حالة الانقسام الفلسطيني، ومتجاوزة القطيعة التي فرضها حصار الرباعية العربية على قطر في حالات اخرى؛ فمصر تتصرف بموجب مصالحها السياسية المباشرة، وتتعاون في هذا الملف حتى مع دولة قطر التي تجمعها فيها

خصومة كبيرة.

حقيقة عكستها المنظومة العربية الممثلة بالرباعية العربية ممثلة بدول الحصار على قطر؛ اذ اصبحت اكثر هشاشة ونزوعا للتفكك بتأثير من الازمة اليمينة وازمة خاشقجي، فاتحة المجال لتجاوز الكثير من العقبات؛ فالمملكة العربية السعودية تدير بين الحين والآخر حواراً في الكواليس وعبر وساطات متعددة على رأسها الوساطة الكويتية مع دولة قطر، متجاوزة حتى حلفاءها الاساسيين وعلى رأسهم ابوظبي؛ فتراكم الازمات بات مسألة مرهقة للرياض، مدخلا المنطقة في مرحلة جديدة تطغى عليها الحسابات والمصالح المباشرة بعيدا عن الحلفاء.

البيئة المتخلقة فتحت الباب لإمكانية التوصل الى تهدئة مع الكيان الاسرائيلي لتخفيف حدة الحصار على القطاع، تمهيدا لوقفه، امر تبناه نتنياهو المشغول بعدد من الملفات اهمها الملف الداخلي والملف السوري بعيد اسقاط الطائرة الروسية، والملف النووي الايراني الذي تمكنت طهران من إدارته بذكاء، واخيرا ملفه الطموح والبائس لتطوير العلاقات مع دول الخليج المهدد بدوره بتطورات الاوضاع في الاراضي

 الفلسطينية.

تدرك حماس المتغيرات المختلقة وتدرك ان التصعيد المحسوب في المرحلة الحالية قادر على ان يؤتي ثمارا كبيرة في ظل تخلخل التحالفات وهشاشتها وسهولة اختراقها واعادة تشكيلها، فهي هشة ورخوة وسائلة تكاد تصل درجة التبخر اذ نزعت منها صفة الاستقرار والثبات.

التصعيد بدوره من قبل المقاومة جاء بعد حادثة امنية تكبد فيه الاحتلال خسائر كبيرة، معطيا المقاومة فرصة كبيرة للمبادرة ورسم معالم المواجهة وتفاصيلها؛ اذ مثلت فشلا ذريعا لمنظومته الاستخبارية والامنية والسياسية، والاهم انها مثلت نقطة فارقة في محاولات الاحتلال للتأسيس لمرحلة ما بعد التهدئة وفق شروطه ومعاييره الامنية والسياسية التي تهدف لفرض معادلة سياسية جديدة تديم الصراع بأدوات استخبارية وسياسية معقدة، مستعينة بعمق عربي يطمح نتنياهو نحو تصليبه وتعزيزه.

الكيان يعاني من حالة انكشاف وهشاشة في الاستراتيجية المتبعة التي صيغت على وقع الازمات والتحولات المتسارعة في الاقليم والولايات المتحدة الامريكية، ملقية بذلك الضوء على نقطة ضعف متخلقة من تفاعل المتغيرات الداخلية والاقليمية والدولية ومن ضمنها تطورات الساحة الداخلية في الولايات المتحدة الامريكية؛ ما جعل من حادثة خان يونس مختلفة عما سبقها باعتباره فرصة للمبادرة ومباغتة العدو الصهيوني.

الحادث الامني في خان يونس ليس الاول؛ اذ سبقه اكتشاف معدات وتجهيزات من قبل الخبراء الفنيين في حركة حماس قبل ما يقارب العام، اجهزة مفخخة ألحقت اضرارا وأوقعت شهداء في صفوف المجموعة التي اكتشفتها وحاولة تفكيكها لكنها لم تفض الى تصعيد؛ حادثة يرجح انها ارتبطت بمحاولات الاحتلال للوصول الى الاسرى من جيشها او التجسس والقيام بإثارة الفتن، حادثة لم تقل خطورة عن اغتيال مازن الفقهاء القيادي في حركة حماس والمسؤول والمرتبط بأنشطة في الضفة الغربية، ومن بعده العالم الفلسطيني الدكتور فادي البطش في ماليزيا، ورغم ذلك فإن التصعيد كان في حدوده الدنيا، ولم يتفاقم الى الحد الذي بلغه الان؛ فالمرحلة مختلفة والمتغيرات السريعة داهمت المنطقة لتؤسس لخيارات جديدة ومرحلة جديدة تتوافر الفرصة لصياغتها باستثمار الموارد المتوفرة للمقاومة، ولعل التصعيد احد الابواب الممكنة لتخليقها والمساهمة في رسم معالمها وتحديد شروطها وعناصرها لفرض معادلة توازن جديدة تؤسس على جهود رفع الحصار عن قطاع غزة وتكرسه.

من جهة اخرى قدمت الرسائل المتبادلة بين المقاومة الفلسطينية والكيان خلال الـ48 ساعة مؤشرات على الرغبة بالتهدئة، فاستهداف باص تابع للجيش الاسرائيلي كشف عن حجم الامكانات وطبيعة المواجهة والخسائر البشرية التي ستلحق بالكيان، ولكنها اظهرت الحرص على عدم ايقاع خسائر بشرية كبيرة بجنود الاحتلال، كما اطلقت المقاومة اكثر من 400 صاروخ في ظرف 48 ساعة، واصابت اكثر من 90 جريحا وقتيلين في صفوف الصهاينة؛ استعراض للقوة ترافق مع رسائل بالتهدئة وعدم الرغبة في التصعيد، وتحويل المواجهة الى حرب شاملة، فخسائر العدو الصهيوني ستتجاوز الحديث عن العشرات بل المئات من القتلى مع توسيع دائرة الاستهداف لتشمل مليون مستوطن اسرائيلي.

تحركات قابلها الكيان الاسرائيلي برسائل مماثلة باستهداف فضائية الاقصى بعد تحذير العاملين فيها، استعرض فيها قدراته مع رسائل واضحة بعدم الرغبة في التصعيد فكلا الطرفين لا يبحث عن التصعيد، ويميل الى التحذير منه ومن نتائجه سواء بالتصريح أم الممارسة.

المواجهة وفرت فرصة لاستعراض المقاومة لقدراتها العسكرية وقوتها النارية، بما يساعد على تثبيت التهدئة، وتسريع اجراءات رفع الحصار، وصياغة معادلة ردع جديدة تبنى على اسس عسكرية وسياسية في الآن ذاته، كما توافرت على شروط اقليمية ودولية تعيق قدرة الاحتلال على المضي في المواجهة الشاملة التي ستلحق بجيش الاحتلال والكيان خسائر كبيرة بشرية واقتصادية وسياسية تفضي الى الاطاحة بنتنياهو نفسه، وتسقط الكثير من المشاريع الطموحة التي يروج لها سياسيا، وتعقد المشهد الاقليمي الذي يكاد يفيض بالأزمات الى حد تصديرها الى القارة الاوروبية وامريكا، والاهم انه سيحرج الدول التي ترغب بالتطبيع مع الكيان الاسرائيلي وتعقد حساباتها.

في الختام.. فإن تدحرج المواجهة الحالية بين المقاومة والكيان الاسرائيلي لا تخدم الاستراتيجية الصهيونية، وتضغط على الكيان وحلفائه للوصول الى تهدئة تمنع التدحرج نحو مواجهة شاملة بشروط جديدة، وعلى أسس متينة؛ اذ إن المنطقة والصراع على وشك الدخول في مرحلة جديدة، قدمت فيها المقاومة في غزة باعتبارها طرفا اقليميا فاعلا في المعادلات السياسية وصانعا لها وليس مجرد لاعب صغير يتحرك على هامش التفاعلات الاقليمية.

المصدر: فلسطين الآن