الخميس 13 ديسمبر 2018 06:14 م

ما الذي يمكن أن نستفيده من كارل ماركس؟

الأحد 02 ديسمبر 2018 11:40 ص بتوقيت القدس المحتلة

ما الذي يمكن أن نستفيده من كارل ماركس؟
أرسل إلى صديق

سمير إدواعراب

لا مراء في أن كارل ماركس من كبار الفلاسفة الذين تركوا ورائهم جدلا حادا ونقاشا صاخبا. فما يزال شبح ماركس يراود المنظومة الرأسمالية بالرغم من هيمنتها وسقوط كل التجارب الشيوعية المنافسة، التي استمدت مرجعيتها من أطروحات ماركس. ولعل الذي أعاد صاحب "رأس المال" إلى الواجهة هو بعض الأزمات الاقتصادية التي تضرب النظام الاقتصادي المعاصر بين الفينة والأخرى، ولعل آخرها أزمة 2008. وهذا ما يدفعنا للبحث عن سر هذا الحضور الدائم له، والتساؤل حول إضافة ماركس لنيل هذا الحضور؟

صحيح أن كل النماذج الاشتراكية اليوم صارت جزءا من الماضي، وأصبح النموذج الغربي الليبرالي محط أنظار الجميع، ومبلغ أمانيهم الوصول إلى مستواه التنموي والسياسي والاقتصادي. لكن هذا كله لا يخرج ماركس إلى الهامش بجوار تلك التجارب الاشتراكية الفاشلة، وسقوط هذه الأخيرة قد يحيل إلى قصور في التنبؤات وبعض التصورات التي قد تكون بلغت مستوى عال من المثالية، غير أنها لا تسقط نجاعة "المنهج" الذي أدى إلى استنتاج تلك السرديات والأطروحات.

إن الخلط الذي حدث عند رهط كبير منا، هو اعتقادنا أن سقوط تجارب تاريخية هو إعلان عن قصور في ذات "النظرية" لتي أفرزت تلك السرديات. وهذا ما يؤكده عبد الله العروي بأن الإشتراكية ليست دائما الماركسية، ورغم ذلك ما تزال تختلط في أذهان الناس الإشتراكية التي هي مجموعة أهداف سياسية واجتماعية وأخلاقية. والماركسية التي هي طريقة لتحليل الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية (1).

إذن، فأهمية ماركس لا تكمن في مفاهيم صورية صكها من خلال تأملاته في صيرورة الواقع وتعقيداته، ولا في تنبؤات صاغها لتحقيق مبتغاه. بل إن قوة ماركس تتجلى في المنهج التي اعتمد عليه لاستنتاج أطروحته. لهذا كانت التجارب الاشتراكية الناجحة هي التي حاولت تكييف المنهج مع واقعها، وهنا نذكر تجربة لينين وسياسة الـ NEP وماو في الصين، عكس تجارب أخرى من بينها ستالين. وعليه نكون قد أدركنا أن جديد ماركس كان هو منهجه في التحليل، لكن هذا الجواب يدفعنا إلى التساؤل من جديد عن ماهية هذا المنهج؟

منهج ماركس أسس لتحول نوعي، لأن بفضله أصبحت طريقة التفكير تنطلق من وضع ملموس (بشر، علاقات، إنتاج..) وبالتالي تخلت عن تعالي الفلسفة وعن تأملاتها

عودا على كلام المفكر العروي وتأكيدا له، فالماركسية هي طريقة في التحليل ونظرية لفهم "مفتوح" للواقع وتطرح حلولا لمشكلاته من خلال الوعي بمختلف تناقضاته ومكوناته. ومن بين آليات هذا المنهج نجد (الجدل المادي) الذي يلعب دور المرشد في عملية البحث في الواقع للوعي بصيرورته الواقعية (2). وليس الجدل من إبداع ماركس، بل هو من اكتشافات هيغل، لكن الفضل في تطويره يرجع للاول لا الثاني؛ حيث أن جدل هيغل كان يبحث في صيرورة الأفكار لا الواقع، لذلك بقي حبيس تلك المقولات.

بينما ماركس فرض الاهتمام بالمادة "الواقع" لا الفكر، لأن هذا الأخير انعكاس للأول. بمعنى آخر؛ الماركسية في منهجها المادي أخذت في جدل هيغل نواته العقلية، ونبذت قشرته التأملية الصوفية التي ترجع العامل الفاعل في الحياة الاجتماعية إلى (الروح المطلقة). لهذا فقوة الماركسية ومنظرها تكمن في انه أوقف هيغل على قدميه وذهب به إلى منتهاه، فإذا كان هيغل بمثابة نفي للفلسفات التي سبقته ونهاية منطقية لها، فإن ماركس كان نفي النفي بتعديله للجدل الهيغلي، وبذلك حقق اكتمال الجدل وكان التحول النوعي الذي أدى إلى تأسيس منطق جديد. لكن، ما ميزة هذا المنطق الجديد عن المنطق القديم الذي كان سائدا؟

لا شك أن منهج ماركس أسس لتحول نوعي، لأن بفضله أصبحت طريقة التفكير تنطلق من وضع ملموس (بشر، علاقات، إنتاج..) وبالتالي تخلت عن تعالي الفلسفة وعن تأملاتها، لتغوص في الوجود الحقيقي وفي حركة الواقع وتغيراته وتناقضاته (3)، وهذا فحوى مقولة ماركس العميقة: "ليس وعي الناس من يحدد وجودهم، بل وجودهم هو الذي يحدد وعيهم". هذا المنطق الجدلي المادي كان مخالفا لما دأبت عليه الإنسانية سابقا، حيث هيمن المنطق الارسطي الصوري الذي يعتمد على السكون والقياس على فكرة مسبقة، ومشكلته انه لا يمثل واقع الحياة، وقد أصبح رجل الفكر بتأثير من هذا المنطق يحتقر رجل العمل فهو قد ارتفع في السحاب واخذ يبني لنفسه هنالك العلالي والقصور، فهو لا يفهم مشاكل الحياة ولا يريد أن يفكر فيها... فهو فكر غائي يبحث في الأمور المنتهية (4). كما أنه يعطي الأولوية للوعي لا الواقع. بل يسعى إلى إسقاط أفكار صورية جامدة على أي واقع يوضع أمامه بغض النظر عن تناقضاته.

إجمالا، يمكن اختصار الكلام والقول بأن جديد ماركس يكمن في تأسيسه لمنطق جدلي مادي كطريقة أرقى في التفكير بالسعي لوعي الواقع ووعي صيرورته لتقديم إجابات علمية. وإجابة منا على السؤال الذي عنونا به مقالتنا، فإن ما يجب اخذه من ماركس ليس أهدافه السياسية والاجتماعية والأخلاقية التي تمثلها الاشتراكية، بل في المنهج المادي الجدلي الذي اعتمده في التحليل القائم على أولية الواقع على الوعي؛ لأن الصيرورة الواقعية هي الواقع الحقيقي، اما الصيرورة الذهنية فهي في الواقع المفترض المتصور. ولا شك في أن المطلوب هو وعي الصيرورة الواقعية لتكون الصيرورة الذهنية مؤثر فقط، تسهم في تحديد تلك الصيرورة. وبهذا فأن المادية رؤية مفتوحة.

المصدر: وكالات