الأربعاء 20 مارس 2019 01:06 م

10 دقائق بيني وبين السرطان!

السبت 05 يناير 2019 11:00 ص بتوقيت القدس المحتلة

10 دقائق بيني وبين السرطان!
أرسل إلى صديق

بهاء بركات

كنت أعاني منذ فترة من ألم متكرر في أذني اليمين ولكني للأسف من النوع المهمل بصحتي جدا، ولكن بعد فترة من المعاناة والألم أراد والداي وضع حدا لهذا الألم وقاما بخداعي أننا سوف نذهب في نزهة عائلية حتى تم استدراجي إلى عيادة طبيب خاص مختص في الأذن والأنف والحنجرة، أنا يتملكني كره غير مبرر للأطباء وأشعر أنهم يتغذون من ضعفك، جبرت اليوم وجررت إلى عيادة هذا الطبيب الذي أخبرني أني أعاني من ورم في الأذن اليمين أخبرني وكأنه يقول لي أنت تعاني من الأنفلونزا ببساطة وسهولة لم يخبرني أي تفاصيل أخرى عن مرضي، تركني ووالدتي مصعوقين مشلولي التفكير.

خرجت من العيادة متظاهرا بالقوة والقدرة ولكني أسير كما الميت الحي (الزومبي)، أصريت جدا أن نكمل ما خرجنا له كعائلة وتناولت طبقا من الكنافة وكل من على طاولة ينظر إلي بصمت وعيونهم تسألني هل أنت تحتضر، كسرت جمود الجلسة بنكتة سمجة فأنا من المتعارف عليه أني لا أحبذ النكات أساسا، مع أنه جل ما كنت أريده هو الجلوس في زاوية والبكاء بصوت عالي والصراخ لماذا أنا؟ لماذا؟ ما زلت في 25 من عمري لم أحقق ما أخطط له ولم أسافر كل البلاد التي حددتها على الخريطة.

بالمختصر أريد أن أعيش تفاصيل أكثر من الحياة، لم أبكي أبدا وحتى عندما انفردت بنفسي، أخبرت أصدقائي المقربين عن طريق رسالة على موقع فيسبوك في مجموعة مشتركة عن مرضي، وبسرعة تم ترتيب لقاء داعم لدعمي معنويا أذكر جيدا الدموع في عيون بعض صديقاتي كانوا كلهم داعمين لي ولكن أحدهم كان الداعم الأكبر استخف باستسلامي المؤقت وتهكم علي وعلى المرض ولم يتعامل معي كجثة ناطقة كما تعاملت مع نفسي، وهنا فهمت أنا لم انتهي بعد سأحارب هذا المرض وأخذت الموضوع كتحد شخصي (يا أنا يا المرض).

جلست في غرفتي أتأمل السقف وشريط حياتي يمر أمام عيوني كفلاش الكاميرا ما أذكره من طفولتي مراهقتي عائلتي، دراسة الإعلام في الجامعة، عملي في مجال الإعلام، أماكن زرتها، أشخاص تعرفت عليهم، وحتى الأكل الذي أحبه والأكل الذي لا أحبه، وعقلي يقول هل جسمي سيقتلني كم هي مرعبة فكرة هذا المرض أن جسدك هو من يحاول قتلك لا الجراثيم أو الفايروسات. قررت أن أذهب للحلاق وأن أقص كل شعري (على الصفر)، ولكن الحلاق رفض ذلك وقال (ولو يا بهاء أنت مذيع وصحفي ولدك تصفر ما بتزبط)، لم أناقشه ولم أخبره وقص شعري يومها كالمعتاد، مع أني كنت أريد تدريب نفسي لتساقط شعري وتقويت نفسي والمضي قدما بالعلاج.

بعد شهر استجمعت قوتي أنا وعائلتي وانطلقنا في رحلة من طبيب إلى آخر واختلفت الآراء وتعددت الفحوصات، ولكن الرد الحاسم كان من طبيب أعطاني من وقته ساعة ليخبرني أني أعاني من ورم غير سرطاني أو بما يسمى (ورم الغواص) في أذني اليمين، وأن الفرق بين ما أعاني منه أنا والورم السرطاني هو كالفرق بين الأرض والسماء، الطبيب الأول لم يخطئ بالتشخص ولكنه رسب في الإنسانية فهو لم يشعر أنني أستحق 10 دقائق من وقته الثمين ليخبرني بتفاصيل مرضي.

نعم مرضي مؤلم وحتى الآن أعاني منه ولكنه ليس ورم سرطاني، لماذا منحني طبيب ساعة كاملة ليشرح لي تفاصيل مرضي والآخر استكثر علي 10 دقائق من وقته، الفرق هنا الإنسانية فكلاها طبيب خاص وبنفس رسوم التطبيب. نعم كنت بغنى عن خوض هذه التجربة القاسية والمؤلمة، ولكنها أرادة الله وكل شيء يحدث لسبب معين، فبعد هذه التجربة أصبحت أقدر نفسي أكثر لم أعد استهين بها، أرتني هذه التجربة حقيقة من حولي وأهمية وجودي وتأثيري في الأشخاص بمحيطي.

وأهم ما تعلمته من هذه التجربة هو أن محاربي السرطان هو شخص محارب جبار بطل حقا بطل وأن ضعف أحيانا، ولكن من يمتلك الشجاعة لخوض هذه الحرب هم من تخلع القبعة لهم احتراما، بالإضافة إلى نقطة أخرى مهمة وهي أن محاربي السرطان لا يحتاجون إلى الشفقة ولا نظرات الحزن والعيون الغارقة بالدموع بل هم بحاجة لمن يسندهم يقف بجانبهم يخبرهم أنهم في معركة ويجب عليهم عدم الاستسلام.

المصدر: وكالات