الأربعاء 16 يناير 2019 05:38 ص

غربة الروح.. كيف نتجاوز شعور الوحدة؟

الأحد 06 يناير 2019 10:20 ص بتوقيت القدس المحتلة

غربة الروح.. كيف نتجاوز شعور الوحدة؟
أرسل إلى صديق

أسماء زيود

’’يا غربةَ الروح في دنيا من الحَجَر

و الثلج و القار و الفولاذ و الضجر ِ

يا غربة الروح. .. لا شمس ٌ فأأتلقُ

فيها ولا أفقُ

يطير فيه خيالي ساعة َ السَّحَر ِ‘‘

قد يَنتابك الشَعور الذي يَبقى حَليفك طِيلة الوَقت،ألا وهو الوحدة، وحتى بين عائلتك ربما أصدقاءك، شعورٌ مُختلجٌ يضجّ في تفكيرك، يُشعرك بالنقصِ وأحيانًا بالدونيّة، شيءٌ ما مُختلف قد يعتري أفكارك لا مَحالة ؛فالذات تبدأ بجلدِ نفسها بحضورِ شَتاتك، وخاصًة عندما تَفقد قدرتك على الإلمام ِ بنفسك، هذا نتيجةَ عدم التركيزِ على ذاتكِ وتصنيف نفسك ؛فَيُشعرك بأنّك لا تنتمي إلى من تُجالسهم بالرّغمِ من قُربهم منّك.

والعكس مختلفًا تمامًا ؛حينما تَمتلك ذاتك، وتُجيد تصنيف نفسك، ولديك اعتزازًا بقدراتك، وتمتلك القوة الداخليّة التي لا تُذيبها المواقف الصعبة وبعض الإخفاقات التي قد تَعترك طريقك، حتمًا ستفرض حضورًا في كلّ زمانٍ ومكان. بناء الذات يعتمد على كيفيّة صياغة سلوكك وتصرُفاتك وطريقة حوارك مع جميع المستويات والأشخاص وخاصًة أفراد عائلتك، وكيف سيتقبل رأيك الآخرين؟ هذا كلّه يجعلك أن تكون سيد الموقف اتجاهه، هنا تستطيع أفكارك أن تخترق العقول وتندمج معًا ؛باختلاف الفوارق ولكن بتقبل الآراء! هذا لا يقف عائقًا أمامك بل اتساعًا للمدارك وتبادل للمعرفة ؛فأساس الحوار السليم حضور الأفكار واحترام وجهات النظر.

المشكلة تَتمحور حول الشعور بشيءٍ لا وجودَ لحاضره، لماذا ينتاب البعض الشعور بالوحدة بين النّاس؟ ما أساس هذا الشعور ومَنبت حُضوره؟ وكيف يَتبلور ذلك في العقلِ البشريّ؟ الذات محورها النّفس والنّفس يَملكها الشخص ذاته. إذن، الجَوهر قيادته بيدِ الفرد ؛فإنْ أجاد النضوج بنفسه وترقيتها من التّبدد والانّحطاط والشعور بالعُزلة، تخطّى مرحلة الشعور بالدّونيّة وتهميش الآخرين له، كما يحتاج إلى الفئة التي ترتقي بتفكيره وتزيد من نسبة الوعي لديه،  وهذا يعود إلى المرحلة العمريّة التي ينتمي إليها الفرد وإلى مدى اهتمام الشخص القريب منّه، في حالِ اكتشاف تلك المشكلة وفي مراحلها المبكّرة.

إذن على عاتقِ مَن سيتم تولّي أمر الفرد، هل هي مسؤوليّةِ عائلته أمّ نفسه ؟ لذا سأتطرق إلى -شقّين رئيسين- ألا وهما العمر والمجتمع، هذان سبيلان للنهوضِ أو الإخفاقِ في حياة الفرد. ننتقل إلى العمر، نبدأ من مرحلةِ الطفولة وهي أهم مرحلة للنضوج بفكرِ الفرد وصقلِ شخصيته وبناء القوة في نفسه، لذا نرى ونشاهد صنفين في الواقعِ خاصًة في حياتنا اليوميّة، أنّ هناك كثير من الأطفال من يعبرون عن أنفسِهم ويستردون حقوقهم بأيديّهم ويتمتعون بأفكارٍ إبداعية ستقودهم مع تقدّم العمر إلى شخصيّة مستقلّة وقادرة على تطويرِ نفسها والانخراطِ في المجتمع ناهيك عن الخوف والتردد والبعد عن الآخرين

والصنف الآخر عكس ذلك، إضافًة إلى الخوف من البقاءِ مع أطفالٍ آخرين، والتعلّق الشديد بوالديهّم والاعتماد عليهم في كلّ ما يريدون نيّله والكثير الكثير. الوالدان هما نقطة التّحول الرئيسيّة في حياةِ أبنائهم، متى وظفا طاقتهما الإيجابية بذكاءٍ اتجاه أبنائهم بنا جيلاً واعيًا مُلمًا بنفسه أولاً وبكلّ جوانب الحياة. يأتي دور المجتمع بعدهما في توظيف سُبل بناء الذات وتقيّم النفس والارتقاءِ بتفكيرهم من خلالِ التعليم والمحاضرات الثقافية والتنمويّة وتطوير الذات.

لكنّ علماء النفس قدموا عدة تفسيرات من بينهم رايس "يرى أن مشاعر الوحدة قد تكون مشاعر ناجمة عن سوء الفهم التواصلي للفرد ذاته اتجاه الآخرين،  خاصًة عندما يكون الفرد متمركزًا حول ذاته،  إذ يصعب على طرفي العلاقة التي يكون أحداها متمركزًا حول ذاته من فهمِ شخصية الأخر،  الأمر الذي يقود إلى تعثّر العلاقة بينهما،  و هو بذلك ــ أي الشخص المُتمركز ــ مُعرض إلى أيّة مشاعر من الرفضِ و عدم القبول،  و فرض حُكم الوحدة بعيدًا عن الآخرين".

ماذا يفّسر خلفه مفهوم الشعور بالوحدة بين النّاس ؟ أنّ الفرد لا هدفَ لديّه،  وهو وليدَ أفكارٍ تَستحوذ على نفسه بالهلاك،  ولا تدعم داخله، هو لا يعلم ما الذي يريده من الحياة ؟! مُقيد على نفسه، ومُلتصق بتعبيره السلبي عن نفسه. إذن، منغلق التفكير نحو الأهداف، لا يجيد لغة التعبير عن ذاته ولا يَخوض التّجارب، ويَعتريه الوُجوم أيّنما حلّ، ولا يشترك بالحوارِ مع أصدقائه وأفراد عائلته، هذا ما يجعله مرفوضًا من طرفِهم.

الحوار مع الذات،  يتجلّى في إعطاء النفس مُتّسع من القبول الفكريّ وطرحه على طاولةِ الحوار لا إبقائه عالقًا في العقل وتحويله إلى الشعور بالوحدة وموت الأفكار، أنت إلى ماذا تحتاج كيف تُدلي رأيك وتسعد بحضورك ؟ فقط، الإيمان بمكنوناتك الداخليّة، بأفكارك وأهدافك وتطلعاتك ؛بمجرد الشعور بهذا حتمًا ستجد نفسك وسط أصدقائك الذين غالبًا ما يرغبون مشاركتك الرأي وإطلاعك على مشاريعهم، جعلك بؤرة مُهمة لتطلعاتهم، هذا سيكون نتيجة خوضك كلّ حروبِ النّقاشِ والحضورِ بسلميّة ؛لتنّجو مِن الشعور بالوحدة ِ!

المصدر: وكالات