الخميس 17 يناير 2019 05:28 م

وهم الكمال.. إياك أن تكون مثاليا!

الخميس 10 يناير 2019 11:00 ص بتوقيت القدس المحتلة

وهم الكمال.. إياك أن تكون مثاليا!
أرسل إلى صديق

وكالات - فلسطين الآن

"أشعر بالتعب، بالإنهاك، بالتشتت، بكل شيء بعيد عن التركيز بأميال، لا بل بآلاف الأميال" كثير منا هم الذين يخاطبون ذواتهم بهذا الكلام بين الفينة والأخرى، هذه المشاعر المختلطة التي لا نستطيع أن نحدد مصدرها لشدة مشاغل الحياة والحقوق والواجبات والمهام اليومية والالتزامات، فلا نجد الوقت لمواجهتها ومحاولة تفاديها. هذه المشاعر إنما هي مشاعر طبيعية تأتي تلقائيا مع ما يسمى بالسعي للمثالية في معظم الأمور، وكأنك تشتري سلعة اسمها "المثالية" فتأخذ معها هذه المشاعر مجانا!

أخذت أفكر لماذا نشعر كبشر بالتعب وطلب المزيد من كل شيء مادي ومعنوي بلا كلل، ما هو هدفنا الرئيسي وراء ذلك؟ ابتداءا من تعاملاتنا التي بدأت المجاملة فيها تأخذ منحى الرياء لأجل الظهور بمظهر الإنسان الرائع المحبوب، إلى تربية الأبناء التي أنهكنا آذاننا بسماع كل ما هو متعلق بها ما جعلنا نشعر بأننا غير مثاليين وذلك ما إن قارننا أنفسنا بالمربين الفاضلين الذين ينبغي أن نكون على شاكلتهم. الذوبان في العمل سواء العمل خارج البيت أو داخله، وكأن العمل سينتهي ويتوقف بمجرد إتقان جزء منه، والسبب الرئيسي هو عدم قبولنا بمستوى ما نقدمه وإن كان رائعا، بل السعي للمزيد والمزيد علّنا نتميز أكثر فننسى أنفسنا وأولئك الذين هم من حولنا، فنخسر ذواتنا وأحباءنا بالتدريج دون وعي منا بالسبب الخفي وراء ذلك.

أنا أؤمن بمقولة (إذا لم ترضَ سوى بالأفضل فسوف تحصل عليه)، لكن الأفضل هو الأفضل بالنسبة لقدراتك أنت وطاقاتك أنت وصبرك أنت، فأنت لن تطلب من إنسان يحاول إصلاح عيوبه ويرغب بذلك بشدة ثم تضعه أمام مقاسات خيالية لشخصيته الجديدة التي لا تمت للقديمة بصلة وتطلب منه أن يتغير للثانية في يوم وليلة، وكأنك تطلب من شخص بدين أن يرتدي بنطال مقاسه صغير خلال يوم واحد، لن يفلح الأمر بل على العكس سوف يزداد سوءا لما سيترتب عليه من شعوره بالفشل وتدني في تقدير الذات والعجز عن إدراك ما يريد. هذا العجز الذي يهديه لنفسه دون وعي وإدراك فتنعتني هي بدورها به وتكبره حتى يغدو أكبر من كل أمل كان بداخله نحو الأفضل ونحو التغيير ونحو كل ما يقدمه للأمام ويدفعه نحو تحقيق أحلامه.

لا تكن مثاليا، قلها لنفسك كل يوم قبل أن تقدم على أي شيء، لا تنهك نفسك بمحاسبتها على كل صغيرة وكبيرة إن كنت تحاول، فيكفيك شرف المحاولة وشرف البدء وشرف إرادتك التي بدأت تتقد وتشتعل نحو تحقيق ما تتمنى من كل شيء حولك. لا تكن مثاليا وقد قال الله في كتابه العزيز "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا" فالله هو من خلق النفس وهو أدرى بكل نفس وطاقتها في التحمل، لا تكن مثاليا فتنتكس وتتراجع وتضغط على أعصابك وأعصاب من حولك، فكم هم أولئك الذين حاولوا التغيير بسرعة فما إن فشلوا حتى أصابهم الإحباط واليأس وازداد غضبهم من أنفسهم فانفجروا من داخلهم وبمن حولهم وزاد ذلك من معاناتهم، فلا هم فهموا أنفسهم ولا الناس من حولهم فهمت ماذا حل بهم.

لا تكن مثاليا فيكبر أبناؤك على المثالية ويحبطون بمجتمع يفتقر لكل ما يمت للمثالية بصلة، فيتعبون ويتعب من يعاشرهم فيعود عليهم ذلك بالسلب أكثر منهم من الإيجاب. لا تكن مثاليا فتصاب بالضغط والسكر والجلطات وغيرها من الأمراض التي يكون سببها في كثير من الأحيان نفسي ليس أكثر، فأنت إن ضغطت على نفسك أكثر مما تتحمل حملتك من الأمراض أيضا ما لا تتحمل فارحمها ترحمك. أن لا تكن مثاليا لا يعني أن تكن فوضويا ولا أن تكن همجيا ولا أن تكن عشوائيا ولا أن تعش حياتك دون تخطيط وترتيب وتنظيم وتحقيق نجاحات على جميع المستويات. أن لا تكن مثاليا يعني أنك ستنجح لا محالة إن أضفت لوصفة اللامثالية السعي الدؤوب ومحاولة تصحيح الأخطاء.

كن أفضل من الأمس، كن أفضل من المرة التي مضت، تغيّر ولو قليلا فهذا هو النجاح. اقفز قفزاتك نحو تحقيق السعادة وكن بهدوء ورفق فقليل دائم خير من كثير منقطع. ألا تكن مثاليا تعني أن تمضِ في الحياة متصالحا مع نفسك ولا بأس من بعض الأخطاء التي نتعلم منها ونجعلها دروس مفيدة في درب الحياة الطويل، نهديها لأصدقائنا لأولادنا لأحفادنا لمن حولنا ولمن هم بعدنا. أن لا تكن مثاليا يعني أن تحب نفسك كما هي رغم أنك تتمنى لها الأفضل في كل شيء تماما كما تحب ابنك وإن كان ليس كما تتمنى فهو في النهاية فلذة كبدك تحبه بلا شروط، حبك لها سيدفعها لتحقيق المزيد لترضيك وترضي طموحك في الحياة.

ألا تكن مثاليا يعني أنك مرن والمرونة من أهم أسباب النجاح، مرن في تقبّل الصدمات، مرن في مواجهة الفشل، مرن في تعاملاتك، مرن في محطات حياتك فلا تتوقف كثيرا عند ما لا يعنيك، مرن في مواجهة الصعاب فلا تنال منك بسهولة لأنك تعرف متى تنحني لتفاديها ومتى تقف لمواجهتها، مرن لأنك تعرف متى تتشبث ومتى تستغني عن البشر، متى تناقش ومتى (تقل كلمتك وتمش كما قال جمال خاشقجي رحمه الله) تدر رأسك وتمضي.

امض ولا تلتفت لما مضى من هفوات وزلات في حق نفسك وحق من حولك فالله الغفور كتب على نفسه الرحمة لذا ارحم نفسك وسامحها وتصالح معها وتضافرا معا نحو تحقيق الأفضل والأجمل في كل شيء. وكما قال آبراهام لينكون "أنت لا تفشل إلا عندما تتوقف"، ما يعني أنك لتكن ناجح يعني أن تحاول مرات ومرات دون أن تتوقف إلا لشحن طاقتك وترميم نفسك ثم النهوض للمحاولة مرة أخرى حتى تصل لمبتغاك في هذه الحياة. امضِ ولا تكن مثاليا، وستتفاجأ أنك أصبحت تنجز أكثر، وتتغير نحو الأفضل أسرع، وتتحرر من قيود لم تكن ترها متقبلا الحياة بصدر أوسع، وتحب نفسك أكثر وتتقبل واقعك أكثر، وتستمتع باللحظة أكثر وأكثر وأكثر.

المصدر: وكالات