السبت 20 أبريل 2019 11:15 ص

بيضة تعري تفاهة العالم!

الخميس 17 يناير 2019 10:20 ص بتوقيت القدس المحتلة

بيضة تعري تفاهة العالم!
أرسل إلى صديق

وكالات - فلسطين الآن

"أخاف من اليوم الذي تتفوق فيه التكنولوجيا على التفاعل البشري حينها سيمتلك العالم جيل من الحمقى" قالها ألبرت اينشتاين ذات زمن سحيق، واليوم يؤسفني أن أخبر نفسي وأخبركم أن كلامه قد تحقق وأن بيضة عرت هذه الحقيقة المخزية. بلى إنها مجرد بيضة، تلك البيضة التي تبيضها الدجاجة ونتلذذ بأكلها كل صباح، بيضة عادية جدا بلونها وشكلها المعروفين في صورة شفافة لا خلفية تميزها.

تكسر الرقم القياسي لعدد اللايكات التي تحصل عليها صورة على الانستغرام بما يزيد عن أربعين مليون لايك – عدد يفوق عدد سكان لبنان وليبيا وقطر والبحرين مجتمعة ويفوق عدد سكان المغرب- متجاوزة بذلك صورة كايلي جينر التي وصلت الثمانية عشر مليون إعجابا، ومن المؤكد جدا أنه لا كايلي جينر ولا البيضة يستحقان هذا القدر من التفاعل على حساب أمور أولى وأشد أهمية، ولكنها بالفعل تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن مخاوف اينشتاين تحققت وأن العالم يمتلك جيلا من الحمقى تلفته بيضة أكثر من أي شيء آخر.

هذا العبث إن دل على شيء فإنه يدل على أن اهتمامات سكان العالم تنحرف نحو التفاهات بطريقة غير مسبوقة، وهذا ليس زعما لا أساس له، فقد صارت مستقطبات أعلى نسب التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي عبارة عن مشادات كلامية بين المشاهير تزخر بالمفردات السوقية التي تنم عن حسن الأخلاق واستحقاق الشهرة، يليها سيل من الحملات والهاشتاغات والتعاطفات، وعبارة عن أشخاص وصلوا قمة الشهرة بنشرهم صورا وفيديوهات عن روتينهم اليومي الذي لا يفيد أحدا في شيء، أو فضائح فلان وعلان.

وصار الفن الذي من المفترض هو طريقة جميلة جدا للتعبير عن القضايا الإنسانية والتعبير عنها بأسلوب يشد الحواس ويشعرها بعمق القضية من خلال فيلم، مسرحية، أغنية، رسمة أو غيرها من الأساليب الفنية الكثيرة، في غالبه ينحرف نحو التفاهة والسخافة التي لا تغني ولا تسمن من جوع، تدور في فلك مواضيع مستهلكة صبيانية إن لم تزد الناس حمقا لا ترقى بهم شبرا نحو الأفضل، وليست هنا تكمن المشكلة، فالمعضلة الحقيقية تكمن في كون الناس يتجمهرون على هذه السخافات ويتفاعلون معها ويوهمون الأبله أنه يبلي حسنا فيزيد بلاهة وتتكاثر التفاهات، بينما أصحاب الفن الحقيقي الإبداعي الراقي قلة قليلة من الناس يلتفتون إليهم، وهذه مفارقة مؤسفة جدا.

إن بيضة تحصد ما يزيد عن أربعين مليون إعجابا وتلقى هذا الكم الهائل من الاهتمام تخفي وراءها الكثير من القضايا التي تهترئ على رفوف النسيان ولا يلقي لها الحمقى بالا، تخفي وراءها آلاف الأرواح التي تزهق يوميا تحت أنقاض مدن تنسف عن آخرها بطلقات معدودة ومجازر ومحارق في اليمن وسوريا وبورما وفلسطين يسلخ فيها البشر أحياء ويقتل فيها أشخاص أبرياء لا ذنب لهم، ترتفع على جثث الأطفال الذين يموتون يوميا جراء الحروب والمجاعات، تدخلنا في سبات مخز ينسينا أننا نعيش في عالم ليس مثاليا البتة حتى نهتم بهكذا سخافات.

عالم لا زال أغلب سكانه يعانون الفقر والأمية والجوع والاضطهاد ونقص الحقوق، عالم لا زال الجهل فيه يدفع الناس للاقتتال لأنهم يختلفون في اللون أو العرق أو اللغة أو الانتماءات الفكرية، عالم لا زال يٌحرَم فيه الإنسان حريته لأنه اعترض على الظلم وأبى أن يرضى به، تصرف انتباهنا عن قضايا إنسانية بالغة الأهمية تحتاج منا الوعي بها على الأقل، وتحجب عنا رؤية بشاعة الوجه الحقيقي للعالم الذي نعيش فيه ونتقاسم على سطحه الأوكسجين، هذه الحقيقة البشعة التي لو عنى كل شخص بها نفسه وأحس ولو بالقليل من المسؤولية تجاهها لتغير جزء كبير منها الى الأفضل ولكن للأسف لا أحد يكلف نفسه عناء ذلك وعلى قول دوستويفسكي "أشنع ما في الأمر، هو أنّ الفظاعات أصبحت لا تهز نُفوسنا، هذا التعوّد على الشّر هو ما ينبغي أن نحزن له".

إنه من الوارد أن يقول البعض: وما الذي سيجنيه اهتمامي بهذه السلبيات التي لن تزيدني سوى هما وغما أنا في غنى عنه، والحق يقال سيغتم الإنسان الساكن وجدانك وسيستاء كثيرا، ولكنه أيضا سيتحرك لتغيير شيء ما، ستتغير نظرته للعالم وسيدرك أنه هناك الكثير مما يحتاج التغيير وستنخفض مستويات اللامبالاة والاستعلاء عنده ليعيد النظر في عدة مفاهيم كان يفهمها بشكل مغلوط وستتبدل أولوياته بشكل ملحوظ أيضا ليتحرك فعلا ويبدأ من نفسه وبيئته، من الأمور الصغيرة البسيطة ثم إلى أعظم من ذلك.

ولنفرض جدلا أن هذا الذي ذكرته كله ليس مهما، ولكنه لا يمكن ألا تصدقني القول بأن البيضة وكايلي يستحقان الاهتمام والوقت أكثر من الوقت الذي يجب أن يهدره المرء على نفسه ليعمل على ترقيع جهله وتنمية معارفه وإملاء الفراغات المهولة في دماغه بقراءة الكتب والمجلات العلمية والفكرية ومشاهدة البرامج البناءة الهادفة، فإنه من المخجل أن يتوفر الإنسان على شبكة أنترنت تتيح له فرصا عظيمة ويهدرها في الإعجاب ببيضة بدل التفكر في كل هذا.

إن ما يجعل الإنسان إنسانا هو ارتباط ضميره بالعالم الذي يعيش فيه، وارتباط وجدانه بالمعضلة الإنسانية، بكل روح تتألم وتعاني وبكل الأمور السلبية التي تحمل أمل الإحالة إلى الإيجاب، إن ما يجعل الإنسان إنسانا هو سعيه الدائم لتغيير محيطه إلى الأفضل، إلى مساعدة أخيه الإنسان، إلى التعاطف معه وإبداء الاهتمام به.

واستقطاب مثل هذه السخافات لهذا الكم الهائل من الاهتمام مناف للطبيعة والفطرة الإنسانية، فاهتماماتك والأمور التي تنفق عليها وقتك الثمين تقول الكثير والكثير عن شخصك، وقد وجب علينا أن نعي وندرك أن زيادة الإعجابات والتفاعلات لمن لا يستحق يضر جدا بمن يستحق، ويساهم في تكاثر التفاهات التي تستحوذ على وقت وعقل فئة كبيرة من الشباب الذين من المفترض أن يتم توجيههم لأشياء أهم من ذلك بكثير من أجل تحقيق غاية سامية جدا ألا وهي التقدم بمجتمعاتنا نحو الأفضل والسعي نحو تقليص سواد العالم قدر المستطاع.

المصدر: وكالات