الإثنين 27 مايو 2019 02:30 ص

المرض النفسي أم الألعاب الإلكترونية.. لماذا يختار أبناؤنا الموت؟

الثلاثاء 29 يناير 2019 10:40 ص بتوقيت القدس المحتلة

المرض النفسي أم الألعاب الإلكترونية.. لماذا يختار أبناؤنا الموت؟
أرسل إلى صديق

زينة الحص

إن الأمومة والأبوة بطبيعتيهما مجبولتان من شعور الحب الغريزي العميق الذي لا يتصوره عقل ولا منطق، ومن إحساس الخوف على المولود، الذي يحفز الأب والأم على بذل الغالي والنفيس فداءً له. يستنزف الآباء جهداً عظيماً وسنوات طويلة من التفاني والإيثار لحماية أطفالهم من المرض والجوع والجهل والخطر ويحترقون بكل حب ووفاء ليضيئوا لهم الدروب. فهل هناك أغلى وأعزّ من فلذة الكبد؟ وقد يرجو الأب والأم لنفسيهما العمر الطويل إشفاقاً على أبنائهم من مرارة اليتم. ولكن إن سألتهما ما أسوأ ما قد يحدث لكما في هذه الحياة؟ فسيجيبان بصوت واحد: أن يتوفى لنا ابنٌ أو بنت. فنحن لا نستطيع كآباء وأمهات، بل ولا نريد، أن نتخيل الحياة بدونهم. مهما ارتقينا درجات الإيمان وبلغنا من مراتب الرضا بالقضاء والقدر، فإننا لا نستطيع إستيعاب فكرة أن يسبقنا أعزّ الناس إليه. جرت العادة عندنا نحن بعض أهل بلاد الشام، أن ينادوا أبناءهم باللهجة الدارجة بـ "يا تقبروني" تحبباً إليهم وربما توسلاً إلى الأقدار ألا تريهم ذاك اليوم المفجع الذي يواري فيه التراب أجسادهم فيتشح عالمهم بالسواد الأبدي حزناً عليهم. هذا إن إختار الموت أبناءنا، فماذا لو إختار أبناؤنا الموت؟

تردنا بين حين وآخر أنباء مروعة على وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي عن إقدام بعض الأطفال والشباب والمراهقين على الإنتحار، ويوعز السبب في كثير من الحالات إلى الألعاب الإلكترونية الرائجة التي تتسم بالعنف وتروّج لأفكار مدمّرة تتسرب إلى عقول أبنائنا وتسهّل تواصلهم مع لاعبين ينتحلون هويات مزيفة لتحقيق أغراض غير سويّة. وإن كان الهدف من نشر التوعية بهذه الألعاب قد ساهم في تنبيه الأمهات على ضرورة مراقبة أجهزة أطفالهن وتقليص عدد الساعات التي يقضونها أمام الشاشات لما فيها من مضار جسمانية ونفسية، إلا أننا يجب أن نتفق على أن الألعاب الإلكترونية ليست السبب الأساسي والأوحد لانتحار المراهقين والشباب والأطفال أيضاً. ومهما كتبنا من مقالات ونشرنا من حملات توعية حول مخاطر الألعاب الإلكترونية، دون أن نتطرق إلى أهمية التوعية بالأمراض النفسية ومؤشرات الإصابة بها عند الأطفال والمراهقين، فلن تؤتى تلك الحملات أكلها، مع الأسف. فمن واجباتنا التربوية كآباء وأمهات ومربين الإهتمام بصحة أبنائنا النفسية كجزء لا يتجزأ من صحتهم البدنية والسعي إلى معالجة الخلل والإستعانة بالمختصين كلما دعت الحاجة.

المرض النفسي كالشلل الكامل وإن لم يمنع جسد المريض من الحركة، فهو يشلّ تفكيره ويعطّل قدرته على التحليل السليم وحل الأمور بالمنطق والروّية، وهو يضطره في كثير من الحالات إلى الإنزواء والتقوقع في شرنقة الوحدة هرباً من نظرات المجتمع الثاقبة وألسنة السخرية. وقد تصدر من المريض تصرفات غريبة ملفتة في بعض الحالات التي يحاول فيها التماسك والتعالي على الجرح ولكن سرعان ما تتداعى كل دفاعته، فيصل إلى مرحلة حرجة جداً من القنوط الذي يغرق تفكيره بالخواطر والخيالات السوداوية المظلمة. إن إخفاء المشاعر صفة ملازمة للذكور على نحوٍ خاص، وعلى الأهل مخالفة العادات الإجتماعية في التربية وتشجيع أبنائهم الذكور على الإفصاح عن مشاعرهم دون خجل، ومحاولة إستعياب تلك المشاعر بدلاً من توبيخهم على البكاء أو الحزن مثلاً. والدراسات التي تحصي معدلات الوفاة بفعل الإنتحار تشير إلى أن عدد الذكور الذين يرتكبون الفعل يفوق عدد الإناث بثلاثة أضعاف تقريباً (منظمة الصحة العالمية) علماً أن تلك النسب ترتفع عاماً بعد عام.

ولكن إلى متى سيبقى الحديث عن المرض النفسي ودوافع الانتحار من المحرّمات؟ وإلى متى سيظل الألم عاراً يُحوج البعض إلى التكتم فيزداد إنطواءً وعزلة عن الأهل والأقران أو في أفضل الأحوال إلى التظاهر بأن كل شيء على ما يرام؟ يشتكي بعض الأهل في كثير من الحالات من غياب مؤشرات تدهور الحالة النفسية لدى الابن أو الابنة بل وقد ينكرون احتمال إصابة أحد أبنائهم بعلة نفسية انكاراً تاماً بسبب البيئة الإجتماعية والمحيط العائلي اللذان يرفضان مصطلح "مرض نفسي" رفضاً قاطعاً ويضعان أي تغير سلوكي، إنطوائي كان أم عنيف، في خانة التمرد والعصيان. ولكن الحقيقة أن أطفالنا يتعرضون في أيامنا هذه، رغم التقدم التكنولوجي وطفرة الإنجازات العلمية، إلى ضغوطات نفسية غير مسبوقة، في البيت والمدرسة على حد السواء. أطفالنا وجدوا في الأجهزة الذكية المتعة والترفيه التي لم تكن متوفرة لنا إلا في الملاعب والأزقة حيث كان أطفال الحيّ يجتمعون للعب بالكرة أو القفز فوق المربعات أوالتسابق بالدراجات، فباتوا يستثقلون أعباء الحياة الإجتماعية الطبيعية، كالتعرف على أصدقاء جدد "غير افتراضيين" أو زيارة الأقارب والأرحام. مراهقونا الذين اعتادوا الحصول على كل شيء بنقرة زر دون حاجة إلى الإنتظار أياماً وأسابيع لجمع المعلومات من أجل مشروع علمي مدرسي أو كتابة بحث أو دراسة أكاديمية، لا يستشعرون قيمة الجلد والصبر. شبابنا الذين يختارون بتشجيعٍ منا الإختصاصات الجامعية التي تناسب ميولهم وترضي طموحاتهم غير مهيئين لمطبات الخيبة التي تهدد رحلتهم بالسقوط ما لم يتعلموا أن يزنوا الخسائر بميزان التجربة لا القيمة الذاتية.

هذه الضغوطات إن لم تجد متنفساً صحياً كالرياضة والهوايات الفنية والعلمية والمطالعة وغيرها فقد تفضي إلى الإدمان، أي نوعٍ من الإدمان، من إدمان المنبهات والمخدرات والكحول التي تسهم في إضعاف ملكة التفكير السويّ السليم وتخدير الإحساس بالألم إلى أسهل أنواع المواد المسببة للإدمان وأقلها ثمناً إنما ليس خطورةً، وهو الإدمان على مواقع التواصل الإجتماعي والألعاب الإلكترونية. ولا ننسى أن الأطفال والمراهقين في مرحلة الدراسة عرضة لآفة التنمر اللفظي والجسدي التي تعتبر في حد ذاتها سبباً كافياً لفقدان الضحية الرغبة ليس في الذهاب إلى المدرسة فحسب بل في الحياة بصفة عامة. أضف إلى ذلك مشاكل البيت من خلافات زوجية وأزمات مادية وغياب أحد الابوين إما بسبب السفر أو الطلاق أو الوفاة والمشاكل الأكاديمية من صعوبات تعلمية أو إعاقة ذهنية أو جسدية وأجواء تعليمية سلبية. كل ذلك يلقي بالطفل أو المراهق داخل زوبعة من المشاعر المتضاربة كالشعور بالذنب والغضب ولوم النفس واليأس.

إذاً ما علاج هذه الكارثة التي حلّت على الإنسانية جمعاء، قد تسألون؟ وددت لو أقدم لكم الإجابة في خطوات بسيطة، ولكن المسألة أكثر تعقيداً مما نتصور وشرورها أكثر تأصلاً مما نتخيل. ومع ذلك يمكنني أن أقول بثقة كاملة لا يشوبها شك بأن درهم الوقاية وقنطار العلاج لأي مشكلة سلوكية أو نفسية عند البالغين والصغار على حد السواء هو الإحتواء والحب غير المشروط والصبر. وتلعب التنشئة الروحية الدينية والأخلاقية القويمة دوراً بارزاً في درء مفاسد البيئة المحيطة بالطفل وتعليق قلبه بغايات سامية وأهداف نبيلة يحيا بها مؤمناً عزيزاً قوياً رؤوفاً بذاته وبالآخرين. ونصيحتي هذه إنما أسديها من موقعي كأم فقط، ولا أملك إلا أن أشدد على أهمية الإطلاع على المعلومات المتوفرة على الشبكة عن السلوكيات النابعة عن تغيرات في التركيبة الكيميائية للدماغ عند الإصابة بمرض نفسي كالذهان واضطراب ثنائي القطب والإكتئاب، من مصادر علمية موثوقة بالطبع، واستشارة الأخصائيين فوراً في حال ظهرت على الطفل أو المراهق أمارات الكآبة والإحباط الشديد.

من مؤشرات الخطر التي لا يلاحظها أهل الضحية والمحيطون به، وأقول الضحية لأن المنتحر ضحية نفسه العليلة ولا يقدم على هذا الفعل بكامل وعيه وإدراكه وإرادته، أذكر على سبيل المثال لا الحصر، التغير الحاد في المزاج أو الروتين اليومي أو الشكل الخارجي، التعبير عن شعوره بالعجز وضعف الثقة بالذات، ورغبته بالموت إما بالتصريح أو التلميح، كالتحدث عن الموت وعبثية الحياة، أو الكتابة عنه والتفكير به، وفقدان شغفه باهتماماته والتخلص من ممتلكاته الشخصية تباعاً، إما عبر إهدائها لإخوانه أو أصدقائه أو التبرع بها أو إتلافها.

ويبقى أن أتمنى من صميم قلبي ألا ننتظر مأساةً موجعةً لنعي أهمية دورنا في حياة أبنائنا ولنصحو من غفلتنا وإنشغالنا عنهم بتحصيل الرزق. إن لم يلجأ أبناؤنا إلينا طلباً للإهتمام والحب ولآذانٍ صاغية تستمع إلى مكنونات أرواحهم البريئة فسيلجأون إلى بدائل أخرى، بدائل قد تجرهم، لا قدّر الله، إلى ما لا يحمد عقباه. ما خلق الله الداء إلا لنسعى في طلب الدواء وما أبتلانا بالجراح إلا لنسأله الشفاء، وجعل لنا في أحوال الخلق وأحزانهم وآلامهم وتحدياتهم موعظة، فهلاّ اتعظنا؟

المصدر: وكالات