الأربعاء 20 فبراير 2019 05:29 ص

بين الموظف والمدير.. الحالة المثالية لنظرية المؤامرة

الثلاثاء 05 فبراير 2019 04:20 م بتوقيت القدس المحتلة

بين الموظف والمدير.. الحالة المثالية لنظرية المؤامرة
أرسل إلى صديق

محمد غزال

تختلف الرؤى وتتعدد وجهات النظر باختلاف أصحابها ومكانتهم وموقعهم بين الآخرين، ما يحلو لك قد لا يطيب لزميلك الذي يجاورك في نفس المكتب، وما يراه صديقك مناسبا له قد يختلف تماما مع أهدافك، ولكثرت الاختلافات وتعدد وجهات النظر بين الفريق الواحد، يتجه كل طرف لرسم سياسته المستقبلية وفق منفعته الخاصة، حيث يتجه صاحب العمل لتوظيف الموظف الذي يعتقد بأنه ملائما للعمل المطلوب وقادرا على إنجازه وفقا لمعيار التكلفة والمنفعة، واضعا أهمية أقل لمعيار الحقوق والالتزامات، وبالمقابل يتجه الموظف إلى وضع خطته المستقبلية ومصلحته الخاصة في ظل وضعه الوظيفي الحالي، ويبني الجزء الأكبر من آماله على دخله المكتسب من ذلك.

وحيث أن أصحاب الأعمال هم أصحاب الثروة، فبالغالب يرون بأنهم أصحاب القوة في الطرف التعاقدي الذي يشكل الموظف الجزء الأضعف منه من وجهة نظرهم، وبناءً على معادلة التكلفة والمنفعة، يُبقي صاحب العمل بقناعته بصلاحية الموظف طالما أن المنفعة التي يجنيها منه تتجاوز التكلفة التي يتحملها، وبعد عدد من السنوات تزداد المنفعة التي يجنيها رب العمل من الموظف بمعدل متزايد، ونتيجة لارتفاع الراتب وشعور الموظف بشيء من القوة التعاقدية ومع ازدياد الخبرة لديه والتي ينظر إليها رب العمل أنها كانت بسببه، تصبح تكلفة الموظف أعلى ولكن دون مستوى المنفعة التي يقدمها لصالح رب العمل، وتستمر المنفعة التي يجنيها رب العمل بالازدياد ولكن بمعدل متناقص مع ارتفاع تكلفة الموظف حتى يصل الطرفان لمرحلة الإشباع أو الاكتفاء وتكون تكلفة الإبقاء على الموظف متعادلة مع المنفعة المقدمة منه، حيث ينظر صاحب العمل بأن الموظف قد تم الاستفادة منه بشكل شبه كامل، ويرى الموظف أنه لا يمكن أن يحقق أي شيء يضيفه لخبراته أو إمكانياته ضمن عمله الحالي، وتكون المنفعة الحدية الإضافية هنا معدومة بين الطرفين، وبعد هذه المرحلة قد تصبح التكلفة أكبر من المنفعة، وتصبح العلاقة التعاقدية آيلة للانتهاء بطريقة أو بأخرى، حيث يبدأ كل طرف بتفسير تصرفات الطرف الآخر بأنها جزء من المؤامرة.

عليه فان صاحب العمل يطلب ويفرض من الطرف الأضعف وهو الموظف بأن يتجاهل أو يتناسى الكثير من البنود التعاقدية والتي ألزم نفسه بها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة سواء بخطابات لاحقة للعقد أو بتأخير في الطلبات أو تعديل في البنود التي تم الاتفاق عليها، أو الالتفاف على مضامين معروفة عند الجميع لينفرد رب العمل بتفسيرها وفق مصلحته، وبالمقابل يسعى الموظف جاهدا لخلق بيئة إيجابية يستطيع من خلالها المحافظة على شعرة معاوية المبنية على حقوقه واستحقاقاته عند رب العمل، لعلمه بأنه قد يكون الجزء الأضعف في المعادلة.

في ظل غياب الثقة بين صاحب العمل والموظف تتجه الأمور بأبعاد كثيرة، فاقتناع صاحب العمل أنه الجزء الأقوى في المعادلة يجعل منه رافضا لطلبات الطرف الآخر حين يشك بخيوط المؤامرة أو يتحسسها، وبالتالي ينسج صاحب العمل خيوطه أيضا لتنتهي هذه المؤامرة بنتيجة شبه معروفة، وهو انتهاء العلاقة التعاقدية بين الطرفين، ولعل إنهاء أو انتهاء العلاقة التعاقدية هو شرط لازم لأي علاقة عمل ولكنه غير كاف، فآلية ذلك الإنهاء أو الانتهاء أيضا مهمة، فقد يُجبر الموظف على تقديم الكثير من التنازلات للحصول على ورقة الخلاص، وقد يساوم كل طرف الآخر حسب طريقته ووفق قدراته، ليكسب شيئا قد يكون هو حقا له بالأصل، ويمكن الإضافة بأن ثقة صاحب العمل بإمكانيات الموظف الذي لا يرغب بالاستمرار والعمل لديه قد ترسم أيضا جانباً من المؤامرة التي يشعر بها رب العمل، كأن ينتقل الموظف لبيئة أخرى وطبيعة عمل مختلفة ليجدد ويطور إمكانياته ويحقق دخلا أعلى، ليتم فهمها بشكل خاطئ من قبل صاحب العمل الحالي.

إن جوهر علاقة العمل التعاقدية بين أي طرفين مبنية على الثقة المتحققة نتيجة للتعاقد أكثر من أوراق التعاقد نفسها، ولعل الوازع الداخلي للموظف، يضفي عليه القيام بعمله، وبذل العناية اللازمة في سبيل إنجاز العمل المطلوب منه، وعلى صاحب العمل وباعتباره الطرف الأقوى في الغالب إدراك حدود هذه العلاقة ومحدداتها وإطارها الزماني والمكاني، ففي حال صفاء الأجواء ينسى كل طرف ما وقعه من أوراق ومستندات آلت إلى هذه العلاقة، وعلى العكس تماما، فعند ظهور بوادر المؤامرة يرجع كل طرف إلى آلياته ويعيد حساباته لتحصيل حقه أو أكثر في ظل غياب الوازع الداخلي، ولعل الضوابط الداخلية المبنية على الأدبيات والاخلاقيات والسلوكيات المتراكمة عند كل طرف كانت نقطة بداية تعاقد والمدخل للعمل، ولعلها هي ذاتها يجب أن تكون المخرج عند نهايته.

المصدر: وكالات