الأربعاء 20 فبراير 2019 05:58 ص

علم الأجِنَّة والإعجاز العلمي في القرآن الكريم!

الأربعاء 06 فبراير 2019 11:20 ص بتوقيت القدس المحتلة

علم الأجِنَّة والإعجاز العلمي في القرآن الكريم!
أرسل إلى صديق

بلال رامز بكري

انكب دارسون وباحثون على حقل علمي جديد نسبيًا اصْطُلِحَ على تسميته: الإعجاز العلمي في القرآن الكريم. وهم، في أبحاثهم ومؤلَّفاتهم، يحاولون إثبات أن القرآن الكريم يحتوي على الكثير من الحقائق الكونية والطبيعية التي كشفتها العلوم الحديثة بفضل التقدّم المدهش الذي وصلت إليه البشرية في المعارف التقنية والعلمية. ولسنا هنا لنمنح هذا الحقل المعرفي التقريظ والثناء، ولا لنُخْضِعَه لميزان النقد القاسي اللاذع.

ولكن لا بدّ لنا أن نعترف أن الكثير من أطروحات أئمّة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم أنّها خاضعة لتأويلات واجتهادات لا تزال بحاجة إلى التأصيل المعرفي والترسيخ المنهجي. وهذا لا يعني أنّ أطروحاتهم باطلة، ولا أنّهم وُفِّقوا إلى الصواب فيما ذهبوا إليه، وإنما أن نتوقّف بتأنٍّ وتمعّنٍ قبل الانجذاب إلى الاسم البرّاق المنطوي تحت عبارة "الإعجاز العلمي"، وكذلك أن نحاول جادّين، دون استهزاء ولا استخفاف، فهم ما يذهب إليه في تأويلاوتهم وتفسيراتهم هؤلاء الباحثون والدارسون.

فمنهم من يقول لك أن قوله تعالى: "يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ" (الرحمن: ٣٣)، أنه إشارة واضحة وصريحة إلى غزو الفضاء واقتحامه بالمركبات الفضائية. ومنهم من يقول لك أن قوله تعالى: "وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ" (الذاريات: ٤٧) أنه يشير إلى الحقيقة العلمية عن التوسّع اللانهائي واللامحدود للكون، حسب ما يقول علماء فيزياء الكمّ. ومنهم من يقول لك أن "سدرة المنتهى" هي في الحقيقة تلميح إلى "ثقب أسود" من تلك الثقوب السوداء التي يبشّر بها فطاحل علم الفيزياء، لا بل أن الجنّة والنار قد يكون موقعهما وراء ثقبٍ من تلك الثقوب!

لن ندخل في جدالٍ حول مدى صحّة هذه الأطروحات والفرضيات أو بطلانها. ولكننا نودّ أن نشير إلى نقطة في غاية الأهمية تختصر نظرتنا إلى مباحث الإعجاز العلمي في القرآن الكريم. فإن كان البحث في هذا المجال محمودًا ومُثَابًا عليه، وفيه ما فيه من الحوافز والتساؤلات التي تشحذ همم الباحثين، ففي المقابل، لا يجوز، بأي شكل من الأشكال، أن ينتظر الإنسان توفيق هؤلاء في أطروحاتهم لكي يقف على برِّ أمان الإيمان وينبذ الشك والإلحاد والإنكار.

فمن الأمور التي قد تخفى علينا أن العلم الحديث، أو ما يُسَمَّى بالساينس (في اللغة الإنجليزية) ليس منزَّهًا عن الخطأ، والأهمّ من ذلك بأشواط، ليس منزَّهًا عن الأهواء، على عكس ما قد يتبادر إلى أذهان العموم. فالتلاعب قد يحصل في كثير من الأبحاث، خدمة لمصالح خفية، والمجتهد في حقول العلم قد يجافي الصواب في اجتهاداته ودراساته وأبحاثه. لذلك لا يجوز لنا أن نُخْضِعَ القضية الإيمانية لما ليس لها فيه ناقةٌ ولا جمل، ولا أن نضع الكتاب العزيز تحت رحمة "الساينس".

فلغة القرآن الكريم وأساليبه البلاغية والوعظية والإنبائية، وإن كانت صالحة لكل زمان ومكان، فهي ليس لغة علمية بالمفهوم الحديث. وبالتالي فإن إخضاع آياته الكريمة وأحكامه الثابتة لحقل الإعجاز العلمي قد يجلب الإساءة للقرآن وللعلم معًا. فالساينس شيء والإيمان شيء آخر مختلف تمامًا، ولا يجوز الخلط بينهما، تحت طائلة التيهان فيما لا تحمد عقباه. لذلك، فإننا نرى أن حقل الإعجاز العلمي في القرآن الكريم يحظى باهتمام وعناية كان من الممكن أن يفيدا العلماء والمتعلّمين بأضعاف مضاعفة لو صُرِفا في ميادين أخرى.

على أن القرآن الكريم قد جاء بحقائق علمية ذكرها بصريح العبارة، دون تلميح ولا مواربة، وقد ثبتت صحتها بشكل مبهر ومعجز على ضوء العلوم الحديثة، وقد حظيَت باعتراف علماء وباحثين غير مسلمين. منها، مثلا، ما ورد في مُحْكَم التنزيل عن الجنين وتطوّره في بطن أمّه. يقول تعالى: "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ" (المؤمنون: ١٢-١٤).

لقد وصف الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات تطوّر الجنين من نطفة إلى علقة فمضغة، بدقّة شديدة وبصورة معجزة موجزة، وذلك قبل الوصول إلى حقائق علم الأجنّة الحديث بمئات السنين على أرض قاحلة ماحلة، لا علم فيها ولا معلّم، ولا تقدّم ولا تكنولوجيا. وقد استحقّ هذا الأمر المدهش لفتة كريمة من واحد من كبار علماء الأجِنَّة في العالم: الكندي كيث مور (Keith Moore). ففي فصل "التوطئة" (Introduction) من كتابه الجامعي في علم الأجنّة، المعتمد في الكثرة الكاثرة من كليات الطب حول العالم، يقول "مور" أن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي ذكر قبل زمننا المعاصر بدقّة متناهية مراحل تطوّر الجنين.

فالنطفة هي البداية التي تليها العلقة التي "تعلق" بغشاء الرحم، والمضغة هي الجنين بعد بضعة أسابيع من نشوئه، حين يشبه عجينة ممضوغة مع ما يظهر عليها من أثر غرز الأسنان والأضراس، وذلك وفق آخر ما جاءت به براهين تقنيات الطب في مجال التصوير والأشعّة الحديثة. وكذلك نشوء العظام قبل اللحم هو من الحقائق القرآنية التي توافق حقائق علم الأجنَّة الحديث. وأحبّ أن أشير إلى أمر آخر ورد في الآية الكريمة: "يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ" (الزمر: ٦). في هذه الآية إشارة صريحة وواضحة إلى الظلمات الثلاث التي تلفّ الجنين في أحشاء أمّه، وهي، كما أظهرها علم الأجنّة الحديث: ظلمة جدار البطن، وظلمة جدار الرحم، وظلمة أغشية المشيمة. وخلاصة القول أن القرآن الكريم سيظلّ معجزة المعجزات، سواء اعترف به "الساينس" أم لم يعترف، وسواء وُفِّقَ أساطين الإعجاز العلمي في أبحاثهم وتأويلاتهم أم لم يُوَفَّقوا.

المصدر: وكالات