الأربعاء 24 أبريل 2019 03:17 م

كيف تغير أنظمتنا دساتيرنا ثم تدعونا لاحترامها؟

الإثنين 11 فبراير 2019 09:40 ص بتوقيت القدس المحتلة

كيف تغير أنظمتنا دساتيرنا ثم تدعونا لاحترامها؟
أرسل إلى صديق

بشار طافش

لم يكن هناك أي مفاجأة من تغيير الدستور في ذلك البلد العربي الكبير الشمال إفريقي الذي أنهكه العسكر على مدار ستون عام، هذا التغيير أو التشويه حقيقة، والذي يتيح للرئيس الإنقلابي البقاء في الحكم حتى عام 2032 أو حتى يموت ربما، لم يكن ضروري لسببين رئيسيين، الأول هو أن حُكْم العسكر في هذا البلد ليس بحاجة إلى هذا التغيير كي يتفشى أكثر مما هو متفشي، وهو الذي دمر البلد على مدار ستين سنة كالمرض المزمن، والسبب الثاني هو أن البرلمان الذي أقرّ هذا التشويه الدستوري لم يكن منتخبا أصلا، بل هو نتاج مخابراتي بامتياز، بحيث تم اختيار أعضائه بعناية، وكلهم، على قد الإيد، حسب التعبير العربي العامي، بحيث لم يعد يحوي هذا البرلمان سوى مؤيدين لهذا الرئيس غير الشرعي، حتى الأعضاء البرلمانيين الست عشرة والذين ينتمون لحزب معارض، هم فقط لذر الرماد في العيون مقابل 600 من باقي أعضاء البرلمان المدجنين.

العسكر هم العسكر يا أعزائي، والذين لا يمكن لهم بأي حال من الأحوال خلع عبائتهم الصهيونية الواضحة، كل مرة يُثيرون فيها الشعب، يأتي ويتصدر التريند على تويتر هاشتاجات من قبيل، إرحل يا رئيس، أو لا لتعديل الدستور مثلا، لكن واضح أن الشعب بالنسبة لهم كالحشرة الضارة غير المرغوب فيها، وكلمة حق تقال هنا، فعساكر العرب عامة يرتدون العبائة الصهيونية وهذا ديدنهم في التعاطي مع الشعوب العربية، وقانونهم المقدس، هذا لا يمكن تغييره في الوقت الراهن، لكن عسكر هذا البلد العربي بالذات والذي يمثل رأسه الآن هذا الرئيس غير الشرعي، لا ندري بالضبط ما الذي يرمي إليه هو وعسكره والصهيونية، حين نجد الجيش وهو يسيطر الآن على كامل المرافق الاقتصادية في البلد، فهو ينافس القطاع الخاص ويحاول القضاء عليه في كافة المجالات الاقتصادية، الصناعية والعقارية والزراعية حتى تربية الأسماك وإنتاج المعلبات، وربما ينتقل إلى الخدمات، لا ندري بالضبط ما الذي يرمون إليه؟

لا ينفك هذا الرئيس العسكري الإنقلابي يقول لشعبه، "ممعيش، منين أجيب لكم وظائف، مفيش شغل"، ثم نجده يُشيّد تفريعة لقناة بحرية كلفت عشرات المليارات من الدولارات ثم نجدها لا تدر على البلد بدولار واحد، ثم يشيد عاصمة إدارية ومسجد وكنسية بعشرات المليارات ولا ندري للآن ما هي جدواها الإقتصادية ومالذي ستدره على الشعب، هو يعيش زمن الأباطرة الذين كانوا يشيدون المباني الضخمة على أكتاف الشعوب وسط الجوع والفقر والقهر فقط ليخلد التاريخ أسمائهم مربوطة بهذه المباني حين يعجزون عن صناعة ما هو أفضل وأصعب.

منذ أن سيطر هذا الشخص على الحكم قتل آلاف المواطنين بحجة الإرهاب، لا نسمع سوى عن تصفية البشر، في شققهم أو على أطراف الصحراء، لا نعرف أسمائهم ولا من هم أصلا، لا يوجد معارضة البتة، وإن ظهر معارض فمصيره السجن أو المقصلة، ثم يأتي تغيير الدستور لينص على تأكيد دور الجيش في صون الدستور والديموقراطية، وهو لا يوجد ديموقراطية أصلا والدستور يتم تغييره في دقائق، هذا الجيش الذي قامت ثورة 25 كانون الأول/ يناير عام 2013 للتخلص من حكم العسكر الذي كان متمثلا برئيس النظام وقتها، ثم يأتي هذا التغيير الدستوري بُعيد الذكرى السنوية لهذه الثورة المجيدة، ليُرسخ سيطرة العسكر على البلد بشكل غير مسبوق، يعني هذا البلد يا أعزاء يعيش اليوم مهزلة ما بعدها مهزلة والعسكر يعودون إلى الواجهة بشكل أوقح هذه المرة.

يبدو أن الثورة القادمة ستنصب لهم المقاصل والمشانق على نواصي الطرقات كي تتمكن من إنهاء أقذر حقبة مر بها بلد عربي يوما، ورغم أن هذا اليوم بعيد نسبيا، إلا أنه آتٍ لا محالة، وهذه التصرفات التي يقوم بها النظام الحالي تخبرنا بأنهم يدركون قدوم هذا اليوم.

لقد صدق نعوم تشومسكي حين قال، لا يمكن التخلص من الأوغاد عن طريق الإنتخابات، لأننا لم ننتخبهم أصلا، وهذا واضح من خلال تصرفات عسكر هذا البلد المسكين، فلو أن الإنتخابات الديموقراطية الحقيقية أتت بهذا الشخص إلى سدة الحكم لَمَا عمِل جاهداً على تقويض أي مفهوم للإنتخابات الديموقراطية والحرية والصحافة والإعلام والإقتصاد، ولما قتل 4000 شخص خلال يومين وآلاف الأشخاص في صحراء بلده بحجة محاربة الإرهاب، ولما بني 16 سجن جديد بدل أن يشيد الجامعات والمستشفيات ومراكز البحوث، وتضم سجونه الجديدة الآن أكثر من 60 الف معتقل سياسي، وحُكِم بالإعدام على عشرات آلاف الآخرين من المعارضين لسياساته وإجرامه ومن أولئك الباحثين عن الحرية والديموقراطية.

أنصار هذا الشخص يدافعون عنه ويشبهون ما فعله بالدستور بذاك الذي فعله رئيس الصين، بحيث وضع كل السلطات بيديه، لكن رئيس الصين الحالي، تشي جين بينغ، وحزبه وضعا الصين بين مصاف الدول العظمى، وخلقا من اقتصادها ليكون ثاني أقوى اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية، بينما رئيس هذا البلد العربي المسكين ما زال يشحد السنتات من الشعب، وأشهَر مقولاته التي لا يخجل من أن يرددها باستمرار أمام شعبه وأمام قادة العالم، ممعيش، قولوا لي أجيب منين، ويا نحكمكم يا نقتلكم، وحقوق الإنسان عندنا غير حقوق الإنسان في أوروبا؟ والرئيس مش ممكن يحكم للأبد لأنه في موت بالنهاية، وما إلى ذلك من المقولات المخجلة والمستفزة والإجرامية والغبية.

قبل تغيير الدستور تم إلغاء الهيئات الوطنية للإعلام والصحافة، حيث أدرك النظام مؤخرا أن الصحافة والإعلام لم يعد لهما أي لزوم في ظل هكذا حكم، وهما الآن كجهازين باتا تابعين تماما للنظام القمعي المستبد، حتى القنوات الخاصة إما تكون ملك لهذا الرئيس أو ملك مباشر لجهاز المخابرات العامة، والمذيعين وخاصة مذيعي التولك شو، يشتغلون عند هذا الجهاز ويأخذوا تعليماتهم اليومية منه حتى أثناء بث البرنامج أو تسجيله، هذا كله إلى جانب القضاء الذي خَلع رمز الميزان عن عاتقه وارتدى بدلة الرقص، والذي بات من أشهر رموزه الآن هم قضاة الإعدامات، هذا الجهاز العظيم الذي حين سؤل رئيس وزراء بريطانيا إبان الحرب العالمية الثانية، ونسيتون تشرشل، بينما كانت تُهدم لندن من خلال قصف طائرات قوات المحور بقيادة المانيا النازية وقتها، هل ستنجو بريطانيا؟ حين قال تشرشل، هل القضاء بخير؟ فأجابوه بنعم، ثم قال إذا بريطانيا بخير.

المصدر: وكالات