السبت 25 مايو 2019 04:11 م

شهادة فارس بارود من الشهود على قسوة قلوب اليهود

السبت 16 فبراير 2019 08:21 ص بتوقيت القدس المحتلة

شهادة فارس بارود من الشهود على قسوة قلوب اليهود
أرسل إلى صديق

يونس الأسطل

] ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ[

البقرة (74)

ربما تساءل بعض الناس عن طبيعة قلوب اليهود بعد أن عَرَفَ طَرَفاً من نبأ الشهيد (فارس بارود) ذلك أنه قضى في السجن قريباً من ثلاثة عقود، تعود إلى العام 1991م، ولم يشفع له ولا لثلاثين من عُمداءِ الأسرى، أن اتفاقية أوسلو المنفردة قد أعطتِ الصهاينةَ أضعافَ أضعافَ ما كانوا يحلمون به، فكان أضعفُ المكافآت أن يُطْلَقَ سراح أولئك القدامى الذين أوشك بعضهم أن يكمل أربعين عاماً بمقدار مدة التيه التي عوقب به بنو (إسرائيل) لمَّا تَوَلَّوْا عن فريضة الجهاد، وقالوا بإصرار: "..فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ". المائدة (24).

إن الشهيد (فارس بارود) كان وحيدَ أمه، وقد حُرِمَتْ من زيارته خمسَ عشرةَ سنةً حتى ماتت قبل لَحَاقِهِ بها بعامٍ واحد، وعلى الرغم من أنه أُصيب بمرضٍ عُضال أفضى إلى استئصال جزءٍ من كبده قبل أشهرٍ معدودة، غير أن الاحتلال ظلَّ مُصِرَّاً على بقائه في الأَسْر حتى فارق الحياة، وقد جاوز الخمسين بعامٍ واحدٍ بنفس عدد الأيام التي استمرَّ فيها عدوان الاحتلال علينا في معركة العصف المأكول.

إن آية المقال تُجِيبُ على ذلك السؤال؛ فإن خالق اليهود، وهو أعلم بمن خلق، قد أخبر عن قلوبهم أنها أمستْ أشدَّ قسوةً من الحجارة، من بعد ما رَأَوْا من الآيات ما تخشع معه قلوب الذين يخشون ربَّهم، فقد ذكر من قبلها قصة إحياء القتيل، وإخباره بقاتله، وذكر مسخهم على مكانتهم قردةً خاسئين، ورفع الجبل فوق رؤوسهم كأنه ظله؛ ليجدِّدُوا عهدهم بأخذ الكتاب بقوةٍ، وأن يذكروا ما فيه لعلهم يتقون، وحسبكم بفلق البحر آيةً، فقد أهلك آل فرعون وهم ينظرون، وبنفس العصا التي فلقتِ البحر انفجرت اثنتا عشرةَ عيناً لمَّا أوحى الله عزَّوجلَّ إلى موسى إِذِ استسقاه قومه أنِ اضرب بعصاك الحجر، فضلاً عن تظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، وغير ذلك كثير.

إن لدى الحجارة من خشية الله ما يجعلها أَلْيَنَ بكثيرٍ من قلوب اليهود، فإن من الحجارة لما يتفجَّرُ منه الأنهار، فيعمُّ خيرها البلاد والعباد، وإن منها لما يَشُّقُّقُ، فيخرج منه الماء، فَيُنتفعُ بها محلياً، وإن منها لما يهبط من عَلٍ إلى القاع، وكل ذلك من خشية الله، فإن النار وقودها الناس والحجارة.

ولعل أحد الأسباب الرئيسة لقسوة قلوب بني (إسرائيل) أن الله عزَّوجل قد أخذ عليهم الميثاق، وبعث منهم اثْنَيْ عشرَ نقيباً، فلما نقضوه لعنهم، وجعل قلوبهم قاسية يحرِّفون الكلم عن مواضعه، كما في سورة المائدة (13).

وقد توعَّد ربُّنا جلَّ جلاله القاسيةَ قلوبُهم بالويل، وأخبر أنهم في ضلال مبين، إذْ يقول.

"أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ" الزُّمَر (22).

غير أنه سبحانه يقيم عليهم الحجة قبل أن يهلكهم حين يبتليهم بالبأساء والضَّرَّاء؛ لعلهم يتضرعون، لكنهم لا يفعلون؛ فقد قستْ قلوبهم، وزَيَّنَ لهم الشيطان ما كانوا يعملون، ولذلك يُبَدِّل الله عزوجل مكانَ السيئة الحسنةَ، ويفتح عليهم أبواب كلِّ شيءٍ، حتى إذا فرحوا بما أُوتُوا، وحملهم ذلك على بَطَرُ النعمة، وجُحود المنعم أخذهم بغتةً وهم لا يشعرون، فَقُطِعَ دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله ربِّ العالمين؛ كما في سورة الأنعام (42-45) والأعراف (94، 95).

ولذلك فإن الله عزَّوجلَّ وقد عاتب الصحابة على ضعف التأثر بذكر الله، وما نزل من الحقِّ، فإنما المؤمنون الذين إذا ذُكِرَ الله وَجِلتْ قلوبُهم، وإذا تُلِيَتْ عليهم آياتُه زادتهم إيماناً، فخرُّوا سُجَّداً وبُكِيَّاً، فترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق، ويَخِرُّون للأذقان يبكون، ويزيدهم خُشوعاً، وقد قال في ذلك:

"أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ" الحديد (16).

ولا شكَّ أن اليهود هم المقصودون ابتداءً بهذه الآية، ويدخل فيها كثيرٌ من النصارى، على الرغم من أن الله تعالى قد جعل في قلوب الذين اتبعوا سيدنا عيسى رأفةً ورحمةً، لكننا اليوم نكتوي بجرائم النصارى بما يتفوقون به على جرائم اليهود أحياناً، وعلى جرائم العرب، وعلى موبقات شرذمة من الشعب الفلسطيني.

وإِلَّا كيف نفهم تجويع غزة، واغتصاب عائدات الجمارك التي تُجْبَى منها، وحقَّها في 40% من موازنة السلطة، ويكفي أن ننظر في مصير خمسة آلاف من الموظفين الذين فُصِلُوا هذا الشهر من أرزاقهم، ومعهم المئات من الأسرى والجرحى، والمرضى، وذوي الشهداء، وأصحاب الاحتياجات الخاصة، وما أظن أن يتوقف الإجرامُ المؤكِّدْ لقسوة قلوبهم عند حَدٍّ؛ فقد طال ذلك كثيراً من أشياع السلطة نفسِها، وانضاف ذلك إلى شرخ الشعب الفلسطيني، وشَقِّ صفوف حركة فتح نفسها، وإلغاء المجلس التشريعي، وحملة الاعتقالات الواسعة بالتوازي مع السياسة المسعورة للاحتلال في الاعتقال والاغتيال بأدنى شبهةٍ، أو بغير شبهة، وفي المقابل نجده حَمَلاً وديعاً مع الوفود الصهيونية، فهو يعمل من أجل مستقبل شباب (إسرائيل)، ولا يريد إغراق بلادهم باللاجئين على حدِّ تعبيره؛ فقد جاؤوا ظلماً وزُوراً.

والله من ورائهم محيط، ولكنه جعل لِمَهْلِكِهم موعداً.

المصدر: فلسطين الآن