السبت 25 مايو 2019 12:15 ص

قوارب الموت.. شباب مغامر يحلم بالفردوس الأوروبي!

السبت 16 فبراير 2019 11:40 ص بتوقيت القدس المحتلة

قوارب الموت.. شباب مغامر يحلم بالفردوس الأوروبي!
أرسل إلى صديق

فردوس عبد السلام

هي بذرة حلم ضائع نضجت ثمارها على تربة جرداء؛ عندما خابت الآمال وعندما بلغت القلوب الحناجر، وحينما ترك الواقع المرير شروخا عميقة احتاجت تدخلا سريعا لم يجدوا سوى الرحيل للضفة الأخرى دواء لجراحهم. شباب مغامر يحلم بالفردوس الأوروبي، يحلم برغد العيش وسعة الهناء. شباب لبس ثوب الردة عن بلاده وقد اختار طريقه وسط قوارب الموت. بقلوب حزينة تخفق وأكباد موجعة تحترقن ركبوا وغاصوا أعالي البحار. لم يثني هذا البحر الذي أصبح مقبرة مائية من عزيمتهم شيئا. رحلة ساعات أشبه بالهروب من الحياة إلى الموت قبل أن تطأ أقدامهم الرمال الأوروبية والنجاة من وطن لم يفلح في إسعادهم.

وبين جثث تصرخ فراق ذوي القربى ومها حضن الوطن، وأخرى رست على شواطئ جنان الله على أرضه أساطيل موت قد تتحول الى أساطيل حياة بمجرد وصولها. وبين هذا الحلم الذي يتأرجح بين أقصى اليمين تارة، وأقصى الشمال تارة أخرى، وفي ظل الأوضاع المزرية، نشط تهريب البشر وضربت الفوضى بأطنابها، وظهرت مافيا الهجرة السرية التي تجني أموالا طائلة باعتبارها شركة المواصلات الوحيدة التي تربط شمال أفريقيا وغيرها بالقارة العجوز تحقق عبرها أموالا طائلة قد تصل إلى ملايين الدولارات ما يدفع هذه الشبكات العالمية للتوسع أكثر في الميدان. شركة تجردت من ضميرها الإنساني وطالما تركت جثثا عرض البحر وقروشه، أما لمحاولة تطويقها من طرف خفر السواحل أحيانا، أو لسوء الأحوال الجوية وغيرها متالعبة بأحلام شباب دخل أقصى منحدرات الخيبات النفسية، أبى إلا أن يعيش بكرامته أو يموت لأجلها. هي إحدى الخيارات الاضطرارية للخلاص والنحاة من الوضع الغير إنساني الذي تعيشه فئات واسعة من المجتمع، تفتقر لشروط العيش الكريم وبموارد ضئيلة جدا، ناهيك عن شح فرص الشغل وتدني الخدمات الاجتماعية.

وفي ظل تزايد عدد المهاجرين تقع المسؤولية الأولى وبدرجة أساس على الدول المصدرة للمهاجرين بسبب أنظمتها السياسية والاجتماعية وكذلك انعدام تكافؤ الفرص وعدم توفير الحياة الكريمة، دون نسيان الدول المتقدمة أو المستقبلة التي تفرض قيودا صارمة للهجرة القانونية تحت زعم حماية أمنها ومصالحها؛ إلى أن أصبحت مآسي الهجرة السرية حدثا مألوفا لدى عامة المواطنين، وايقاف آلاف المرشحين للهجرة ولفظ سواحل المتوسط لجثث العشرات، أو تسجيل حالات فقد في صفوف هؤلاء خبرا عاديا تتداوله الألسن وتكتب عنه قصاصات الأخبار.

والظاهرة لا ترتبط بالبطالة فحسب، فعدد لا يستهان به من الشباب الذي يمكن أن نطلق عليه لفظ "العمال الفقراء" يعتبرون الهجرة وسيلة لتحسين أوضاعهم المادية والاقتصادية. كما أنها لا تعتبر الدافع الوحيد نحو قوارب الموت. فحين امتلأت البلدان بالصراعات والحروب، وخرج من الأرض وباطنها القيح لا الأزهار والياسمين، كان الحوف ومحاولة الهروب والفرار والبحث عن الأمن والأمان أكبر الدوافع عند البعض الأخر.

هكذا تضخمت ظاهرة الهجرة نحو الغرب لتصبح ظاهرة هروب وفرار من واقع مليء بالخوف والرهب والفقر وسوء الأوضاع الاقتصادية، وتزايد طلب الوصول لشوطئ أوروبا شطوط النجاة والأمن حسب معتقداتهم. هؤلاء الناجون قد تعتري رحلتهم أخطار جمة تصيبهم أحداثها في صميم صحتهم وأمنهم النفسيين، إضافة إلى الصعوبات التي تعتري توافقهم الاجتماعي والثقافة والمجتمع الجديد الذي هاجروا إليه ما يجعل شروخها دائمة في ذاكرة الحياة. إحدى أهم الصعوبات التي نذكرها على سبيل المثال لا الحصر صعوبة تأمين لقمة عيش تجعل منه حمى عزيزا وسدا منيعا أمام ظروف ومشاكل الغربة وحنين الوطن جنبا إلى جنب عمله على إعطاء صورة جيدة عنه؛ باحترام قوانين ومساطر البلد، ومعاملة الأخرين بلطف ولباقة، دون نسيان تجنب المشاحنات والاصطدام مع الأخرين، وإظهار قابليته للتأقلم وطراز الحياة في بلاد المهجر. وهنا يكمن دور دول الاستقبال وحكوماتها التي تلعب دورا أساسيا في مسلسل اندماج المهاجرين والتي يجب أن تضاعف جهودها من أجل التكيف مع هؤلاء المهاجرين، من خلال تسهيل دخولهم لسوق الشغل وتسهيل عملية تعلم اللغة دون تناسي عملية التجنيس التي تعتبر الدف الأساس والغاية الأسمى لكل مهاجر عبر البحر وكذا المحافظة على الصفاء العرقي والديني بين مختلف الفئات.

وما بين هذا وذاك يتفق الجميع على أن الوطن حب أبدي يحن إليه المرء، فهو روح حنون تسكن الفؤاد حيث ما دب وهب. هو ثبات أزلي على الوفاء لتلك الأرض التي حملته على ظهرها وهو صغير يحبو ثم يخطو أولى الخطوات، ثم يمشي ثم يدفن فيها. هو أشواق أحرار لا تخمد أبدا. "بلادي وإن جرت علي عزيزة" وكما قال الأعراب: "ذكرت بلادي فاستهلت مدامعي حننت إلى أرض بها أخضر شاربي". ولا نزال ندر قصيدة أبي فراس الحمداني وهو وراء القضبان يتجرع ألم النوى وعلقم الفراق والبعد في ديار الغربة: "أقول وقد ناحت بقربي حمامة أتحمل محزون الفؤاد قوادم تعالي ترى روحا لدي ضعيفة أيضحك مأسور وتبكي طليقة لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة".

وتبقى الغربة غربة والبعد بعدا. ويبقى تراب الوطن خيرا من الغربة وألماسها وإن عشت في قصور الأمراء والأسياد. رغم افتقار الوطن لأساسيات العيش الكريم، رغم عدم فتحه الأحضان للأجيال التي تتمنى التباهي به وهي في عقر ديارها، رغم الشعور المرير الذي لا يسمح بالعودة مجددا، إلا أن لا أحد يعرف الوطن أكثر من أحد عرف الغربة وتجرع من كأس مرارتها.

راودهم الآمال والطموح كثيرا بالخلاص من شظف العيش والهروب من شبح الفقر، والبحث عن متنفس لتفجير طاقتهم الابداعية ومواهبهم، والعودة إلى أحضان الوطن وقد بدت أثار النعمة عليهم، لكن ليس كل مل يتمناه المرء يدركه، منهم من ابتلعه البحر ولقي حتفه، ولم يغنه صياحه من الموت شيئا، ومنهم من استثمر مهاراته السباحية فنجى، ومنهم من يندب حظه وراء القضبان، وقليل من استقر وامتلأت رئتاه بالحياة ووضع أحلامه ورغباته حيز التنفيذ، عل الهجرة فأل خير لكل ما هو جميل.

المصدر: وكالات