الأحد 26 مايو 2019 04:21 ص

الزواج عند العرب.. هل هو استمرار للتخلف؟

الأحد 17 فبراير 2019 11:00 ص بتوقيت القدس المحتلة

الزواج عند العرب.. هل هو استمرار للتخلف؟
أرسل إلى صديق

رامي زوده

الزواج، علاقة رسمية تربط رجل وامرأة، يسكنون تحت سقف واحد ويتشاركون القرارات الحياة. هذه المؤسسة تشهد اليوم تهديداً مباشراً لاستمراريتها، لماذا؟ ببساطة لأن ظروف الحياة تتغير بشكل سريع ولأن طبيعة الأفراد تتغير. الأوضاع الاقتصادية في الدول العربية ليست على أفضل أحوالها لتلبي متطلبات الزواج، أو بالأحرى تلبي متطلبات القيم والمعايير من جهة، ومن جهة أخرى نحن نسير نحو ثقافة أكثر مادية يمكن أن تشكل اشكالية لمفهوم الزواج والارتباط. ما هي الإشكالية هنا، أهو الزواج مرتبط بمتطلبات الحياة أكثر أم بثقافة المجتمعات والأفراد؟

لا بد من إطلاق عين فاحصة على المجتمعات الغربية، وهي المصدّر الأول لمفاهيم الحداثة بنظر عدد كبير من العلماء، فقد استًبدل هناك نموذج الزواج بنموذج المساكنة بين الرجل والمرأة. بدون أي اتفاق خطي مسبق، يعيش رجل وامرأة في بيت واحد وينجبون الأولاد! وما يبدو لافتاً أكثر اشتراك الزوجة والزوج (مساكِن ومساكِنة) في مصاريف الحياة. هي معايير طبيعية جداً في هذه المجتمعات بحيث كل فرد يتحمل مسؤولية مصاريفه ويشترك بما هو مشترك مع غيره، لا عيب ولا جزاء لمن يسير بها، بل أصبحت ثقافة، ثقافة "الفردية" في تلك المجتمعات، بل هي فلسفتها التي تمخّضت عنها، تمخّضت بعد صراع مع التقليد والدين، أنتجت بعدها أفراداً متعطشين للاستقلالية والحرية الذاتية، ترجمت في حياتهم، وهي الى يومنا هذا. لقد تحولت المجتمعات المسيحية (السائدة في تلك الثقافات التي وضعت خطوط حمراء لمبدأ الانفصال بين الزواج في نصوصها الدينية) إلى مجتمعات مساكنة بدون أي اتفاق خطي يقر بالزواج في غالبيته.

أما في مجتمعاتنا العربية، فنحن نواجه مشاكل ضخمة بمفهوم الزواج، وأن حالات الانفصال بدأت تكبر ككرة الثلج وتزيد مع مرور الأيام. إن الدين الاسلامي المشرّع الأول والمرجع الثابت لمراسيم وعقود الزواج، وضع شروطاً إنسانية وخطوطاً علائقية بين الرجل والمرأة في مؤسسة الزواج، أهمها نفقة الرجل على المرأة وتأمين مسكن لها، مقابل طاعتها الكاملة له، وأخذ الإذن عند خروجها، كما تكريس مجالاً من حياتها لتنشئة الأولاد وتربيتهم إلى ما هنالك. هي معايير مفصّلة وخطوط حمراء للشريحة العظمى من الناس، بل هي مشرّع أساسي لكل ثقافة الزواج، فغالبية هذه العقود في مجتمعنا هي عقود دينية، تقع عليها كل شروطها الثقافية المذكورة.

ما تغيّر اليوم في مجتمعنا العربي ليست ثقافة الزواج الإسلامية، بل ظروف الحياة التي استوحي منها شروط هذا العقد. فالمرأة اليوم أو الزوجة أصبحت جزء مشارك في سوق العمل وفي إدارة الشركات، لقد تعددت مسؤولياتها ولم تعد محصورة داخل الأسرة وتربية الأولاد، هي أصبحت اليوم متعلّمة وحائزة على شهادات يمكن أن تفوق شهادات زوجها، وهي أيضاً اشكالية تفوق الاشكالية الأولى، وهي قد تناقض مبدأ أو مفهوم الأبوية التي كرّستها الشريعة الاسلامية بمبدأ الخضوع للزوج.

أما النقطة الأخرى، فهي تتعلق بمتطلبات الحياة المادية، فقد ازدادت أسعار العقارات، وأيضاً متطلبات الحياة المعيشية ازدادت وتضخمت، كالمدارس ودور الرعاية والترفيه والتكنولوجيا والادوات الرقمية والسفر.. كلها عوامل أصبحت تشكل جزء لا يتجزأ من حياتنا، وهي بشكل عام كلها مستوحاة من الثقافة الغربية.

إن ما نشهده اليوم، ليس تغيراً في معايير الزواج ومتطلباته الاقتصادية والاجتماعية، بل ما نشهده اليوم هو تقلّصاً في نسب الزواج، استسلاما للمعايير التي لم يقم أي من المعنيين بتفنيدها وتمحيصها وربطها بالواقع الاجتماعي لتثبيت هذه المعايير أو تعديلها. أين المؤسسات الدينية من كل هذه المستجدات الحياتية؟ ومن المشاكل العلائقية بين الرجل والمرأة نتيجة تشابك المسؤوليات؟

إن ما يجري اليوم هو عملية إرهاق وهدر للعنصر الذكوري والنسائي معاً. فالرجل مدفوعاً بمتطلبات الزواج التقليدية سيفدي كل من وقته وقدراته لتأمين الحد الأدنى لتحقيق المعايير، فيخسر ذاته. والمرأة تكاد تخسر نفسها اليوم ومستقبلها نتيجة المعايير السائدة التي تلزمها بهذا الواجب ولا تلزمها بذاك..

ليست الثقافة الإسلامية المقصّرة في إنجاح مؤسسات الزواج، بل هم المشرّعون والمنظّرون في هذا الإطار، وحتى في إطار الثقافة الاجتماعية والحياتية. إننا اليوم على مفترق طرق يكاد يلقي بظلاله على كل محاصيل الزواج العربي وأعني بذلك الأولاد والبنين. بين تشرّد الأطفال نتيجة زواج فاشل أو سوء تحصيل دراسي ومشاكل ذهنية نتيجة مشاكل أسرية مزمنة، تعيش مجتمعاتنا على أنقاد مشرّعين مقصّرين ومنظّرين لا مبالين في قضايا الحياة. إن الأسرة العربية اليوم معرّضة لأقصى درجات التناقض، إما ننقذها وإما نغرق المجتمع بأسره.

المصدر: وكالات