الثلاثاء 26 مارس 2019 05:51 ص

ثقافة الاعتذار.. "آسف" ليست مجرد كلمة!

الأحد 17 فبراير 2019 11:20 ص بتوقيت القدس المحتلة

ثقافة الاعتذار.. "آسف" ليست مجرد كلمة!
أرسل إلى صديق

عصام عبدوس

حين تتبدى للمرء سوءات نفسه وعوراتها إذ ذاك فقط تبدأ رحلة تصحيح المسار، فبدون الوعي بالخلل يتعذر إيجاد الحل والنفاذ من الوهم الذي ترسمه النفس لصاحبها. يسري في الوعي الجمعي للناس اعتقاد يجعل من الاعتذار انتقاصا للكرامة وذهابا للهيبة، هذا التصور وإن بدا منطقيا منسجما عند البعض إلا أن تهافته ظاهر وجلي بمقتضى التصور الأخلاقي السليم.

بداية لا يستقيم بحال أن يتبادر إلى الذهن أن كل الاعتذارات جميلة، فما كان منها في غير موضعه ولا سياقه من حيث تأكد الإنسان من خطئه وما اقترفه من أمر يستوجب تحليه بخلق الاعتذار، أما دون ذلك من إذهاب ماء الوجه طمعا في ود زائف أو قضاء مصلحة ضيقة فهو بلا شك من قلة الفطنة وانطفاء جذوة العقل.

في سياق ضرب الأمثلة على حقيقة هذا الخُلق يعطينا النبي صلى الله عليه وسلم مثالا قلما نجد له نظيرا، فهو النبي والقائد لكن لم يثنه ذلك على أن يعيد حق رجل وكزه بعصا كان يسوي بها صفوف الجند، بأن كشف عن بطنه الشريفة وطلب منه أن يقتص لنفسه، فما كان من الرجل إلا أن التصق ببطن النبي وقبلها، فلم يكتفي صلى الله عليه وسلم بأن يعتذر له لفظا لكنه أبى إلا أن يجسد ذلك فعلا، ثم أتبعه بدعاء قال فيه "اللهم أيما مؤمنن سببته فاجعل ذلك له طهورا"، هذا المشهد الذي خلده التاريخ حري أن يتخذ عبرة في إنكار الذات وقمع سطوة النفس ووساوسها.

وهذا الفاروق عمر الرجل المهاب الحازم الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم "إن لله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" لا يتوارى عن الاعتذار إلى امرأة مسيحية جاءته تطلب سداد ديونها، وهي الوحيدة دون زوج ولا ولد فعرض عليها الإسلام ورغبها فيه، لكنه بعد ذلك لام نفسه أن تحسب المرأة أنه يساومها على أن تُسلم نضير سداد ديونها، ولا أظن أن أحدا يماري في قدر عمر وزهده وحرصه على إتيان ما حسن من الأخلاق، وهو الذي يسهل عليه أن يختلق لنفسه عذرا يتحجج به عن تنكب هذا الموقف، لكن فقهه لفحوى وجوده وجوهر استخلافه دفعه إلى التصرف على مقتضى هذا الفهم، وهو بهذا يضرب بشدة على يدي من يخال نفسه أكبر وأجل من أن يحقق معنى هذا الخلق في تصرفاته.

الاعتذار ثقافة عالمية، حين نطالع خبر اعتذار إدارة القطار في دولة متقدمة كاليابان عن تأخر القطار بمعدل زمني لا يتجاوز عشرين ثانية، هنا نعلم أننا أمام شعب يحترم نفسه ويحترم ثقافة الاعتراف بالخطأ ويتخذ من ذلك دافعا له للعمل على تجويد الخدمات وتحسين مردوديتها، ومن الشعوب من يحرص على تلقين النشء هذا الخُلق وغرسه فيه حتى يصير طبعا وسجية، فلا أمل في خَلف لا يعرف خلقاً كهذا.

هناك سؤال جوهري حري به أن يلج لب كلِ عاقل من بني البشر (من نحن حتى لا نعتذر؟) بلغ منا الاعتداد بأنفسنا أن تناسينا أن أصلنا من التراب ومآلنا إلى التراب، اختلت مقاييسنا حتى صرنا لا نفقه حقيقة ذواتنا، ولو أبصر العاقل منا حاله وتحسس أخبار من يُقتفى أثره لعلم يقينا أن الرفعة لا تنال بثوب جميل ولا بوجه مليح ولا بجسم رشيق وإنما تنال بتزكية النفس وطرح أدرانها من كِبر وحب رياسة وتفاخر مقيت.

وفي هذا المعنى يقول أبو العتاهية:

وفرز النفوس كفرز الصخور ففيها النفيس وفيها الحجر

وبعض الأنام كبعض الشجر جميل القوام شحيح الثمر..

وبعض الوعود كبعض الغيوم قوي الرعود شحيح المطر..

وكم من كفيف.. بصير الفؤاد وكم من فؤاد.. كفيف البصر

وخير الكلام قليل الحروف كثير القطوف بليغ الأثر

تغيير الإنسان لمصيره والتصورات من حوله ينبع من إنسانيته دوناً عن سطحيته وقشوره الطافية والظاهرة للعيان، هذه الفكرة يعبر عنها علي شريعتي بالقول "إذا غير الإنسان ذاته وطبيعته يصبح قادرا على تغيير مصيره وتاريخه ولا يرتبط ذلك بالجسم والمال والمَقام، بل بإنسانية الفرد التي تبقى له فقط" وهو بهذا ينتصر لمركزية النفس في مقابل المادة. ما أحوجنا إلى مراجعة تصوراتنا في ضل نكوص الأخلاق وتبلد المشاعر والأرواح، ما أحوجنا إلى الاعتذار إلى ذواتنا من فرط الجنايات التي اقترفناها في حقها حتى صرنا شرودا عنها بعيدين عن تلمس كنهها الحقيقي.

في ختام هذا السفر القصير والكلام المقتضب حول معنى كلمة "آسف" لا يسعني إلا أن أقول معتذرا:

آسف لك يا رب عن كل ذنب اقترفته ظانا أني بعيد عن عينيك.

آسف لك يا رب لأني ما قدرتك حق قدرك ومضيت أرتع في كثير مما نهيت عنه.

آسف لك يا رسول الله وإن أحببتك فإني قد تخلفت عن كثير مما أوصيت.

آسف لكِ أمي عن أيام مضت وأنا أرقب غزو التجاعيدِ لوجهك دون أن أعي أنك تَبدلين عمرك وأنا متأخر عن أداء واجبي اتجاهك.

آسف لك والدي عن لحظة لم أنضبط فيها لنصائحك، عن وقت أضعته في لهو عِوضاً عن مساعدتك.

آسف لرجل مد إلي يده يطلُب مساعدتي فكان سوء نيتي اتجاهه سباقا على حسن نيتي.

آسف لك صديقي عن جفاء لم أكن فيه منصفا معك فظلمتك.

آسف لأني راعيت جزئيات بسيطة حتى لا أُهين أحداً، فكان المقابلُ الدَّوس على جزئياتي.

آسف لإنسان(ة) لم تكن ثقتي به(ها) في مستوى تطلعاته(ها) فخذلته(ها).

آسف عن آسف لم أقلها في حينها.

مرة أخرى... آسف لك أمي...

المصدر: وكالات