الثلاثاء 23 أبريل 2019 08:59 ص

التظاهر بالسعادة متلازمة العصر

الثلاثاء 19 فبراير 2019 04:20 م بتوقيت القدس المحتلة

التظاهر بالسعادة متلازمة العصر
أرسل إلى صديق

هاجر كمون

منذ بزوغ فجر علم النفس الإيجابي في تسعينات القرن الماضي، بات التفكير الإيجابي يتجسد في شعار يبدو في ظاهره بسيطا ألا وهو أن "أي شخص قادر على تغيير حياته وتحقيق أفضل ما لديه بمجرد إلقاء نظرة أكثر إيجابية على نفسه وعلى العالم من حوله". تسببت هذه النظرية في قلب المفاهيم حيث أن السعادة التي لطالما اعتُبرت نتاج تلك اللحظات والمواقف الجميلة في الحياة، مهما بلغت بساطتها، باتت وفقا لعلماء النفس الأمريكيين تقتصر على تبنّيك لموقف إيجابي وإيمانك بنفسك وبقدراتك وهو ما سيكافئك الكون عليه بأن تكون أكثر سعادة ونجاحا، وإلا فستلاحقك اللعنة وتُصبح أهلا للتعاسة وتستحقّها نوعا ما.

خلال السنة الماضية، صدر كتاب بعنوان "هابيركراسي" أو "صناعة السعادة" من تأليف إيفا إلوز، المختصة في علم الاجتماع، وإدغار كاباناس، المختص في علم النفس، تحدثا فيه عن صناعة السعادة التي تنضوي تحت راية التنمية البشرية وعلم النفس الإيجابي. يشدد الكاتبان على أن "مالكي مصانع السعادة"، أي كل من يلقي محاضرات في هذا الخصوص أو يكتب كتبا أو ينشط دورات وغيرها، يروجون لها على أنها منتج في سوق "السلع العاطفية" التي يسهل شرائها واستخدامها والاستفادة منها.

علماء النفس وغيرهم ممن يعمل في مجال "صناعة السعادة" يظهرون السعادة وكأنها مكافأة على كل ما نضعه نصب أعيننا ونحققه، وعلى النقيض؛ كل ما يصيبنا من سوء هو من صنع أيدينا ونتيجة عيب فينا لذلك يجب أن نخجل من أنفسنا أو نشعر بالذنب لأننا لسنا إيجابيين أو متبنين لمفهوم السعادة بما يكفي، حتى وإن كنا غارقين في مشكلات الحياة التي تظل تعصف بنا ونبذل ما في وسعنا لحلها الواحدة تلو الأخرى. من هذا المنظور، يلغي هؤلاء كل العوامل الخارجية من اقتصاد متردي وبطالة وحروب ومجاعات وأوبئة ويصبح الفرد الجلاد والضحية في آن واحد.

في السياق ذاته، طرح البروفسوران في الاقتصاد، كارل سيدستروم وأندريه سبايسر من خلال كتابهما "متلازمة الرفاه"، تساؤلا: "هل يتحوّل البحث عن الرفاه إلى كابوس؟" ذلك بالنظر إلى السعي المحموم وراء "ضرورة أن تكون سعيدا". يقول الكاتبان إن "الرفاه لم يعد تلك الحالة المثالية التي لنا حرية الاختيار كي نطمح إليها ولكن ضرورة أخلاقية انقلبت في نهاية المطاف ضدّنا". ويواصل سيدستروم وسبايسر أن المشاعر من قبيل التشاؤم والندم والحزن تحوّلت إلى أخطاء أخلاقية، أو أسوأ من ذلك، أصبحت علامة على أن "الفساد" ينخرنا من الداخل. باختصار، كل شخص يشعر بالسعادة هو شخص جيد. في المقابل، كل من تعتريه المشاعر السيئة هو شخص سيء".

في الحقيقة، ليست المشكلة في أننا لسنا إيجابيين ومتشائمين، لكن وفي عصرنا هذا نميل لأن نكون واقعيين قدر الإمكان، خاصة عند وضع الخطط وتحديد الأهداف، وتحمّل المسؤوليات الواقعة على عاتقنا بتحكيم العقل والمنطق لا أن نظل نسبح بمخيلاتنا في أحلام وردية ونتصور العالم مكانا أفضل لأنه لن يصبح أفضل بمجرد تخيل ذلك. صحيح أنه لا بد من العمل والكد لتحقيق الأهداف التي نرسمها ولكن عدم بلوغنا إياها على الرغم من كل المجهودات لا يعني أننا لم نبذل المجهود الكافي أو أننا قطعًا ارتكبنا خطأ في مرحلة ما.

هذا ما توصّل إليه المُنتفضون ضد "صناعة السعادة" معتمدين في حججهم على علم النفس والاجتماع. لكن إذا تأملنا المسألة من وجهة نظر دينية وتذكرنا قول الله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) البقرة 216، فسوف يصبح لدينا يقين بأن ما نسعى إلى تحقيقه ونرغب من خلاله بالفوز بالسعادة لن يأتي بالضرورة في الوقت الذي نريده إذ قد نحتاج إلى الانتظار قليلا بعد، أو أن نُدخل تعديلا على الهدف.

لا يختلف اثنان على أننا قدمنا لهذه الدنيا لنكدح ونتعب، ولا ينفي ذلك التمتع بما تحمله لنا الحياة من أحداث سعيدة لم تأت من مجرد التفكير بإيجابية بل بعد انتكاسات وفشل وتعثّر كإصدار أول كتاب أو ولادة طفل أو القيام بأول رحلة. ولا ضير في أن نظهر ضعفاء ومهزومين، بل على العكس تماما يجب أن نتقبل كل تلك المشاعر السلبية حتى نستمتع بالإيجابية منها وإلا ما فائدة حياة كل ما نقوم به فيها التفكير بما هو جميل ورائع فقط ونرغم أنفسنا على التبسّم كالحمقى حتى وإن كنا غارقين في المشاكل، وكل ذلك كي نظل في إطار الحياة الجميلة الورديّة التي لا حزن فيها ولا كدر. كمن يواري جرحا متقرحا ومصابا بالتهاب بضمادة طبية ويظل ينظر إليه بإيجابية وتفاؤل، فلا الجرح عُولج والتأم ولا مُتصنّع السعادة تمكن من الاستمرار في حياته دون جرح.

وكما جاء في الاقتباس الشهير "الحياة هي ما يحدث لك أثناء انشغالك بوضع خطط أخرى"، كذلك السعادة هي ما يحدث لك أثناء انشغالك بوضع خطط للحصول عليها، فهي ما تشعر به عندما ينظر إليك طفل صغير ويبتسم ومن ثم يخبرك بمدى حبه لك، أو حين تنتهي من مقال أو كتاب تطلب منك الوقت الطويل وربما دفعك العمل عليه إلى البكاء والاكتئاب وفكرت في التخلي عن الأمر ومن ثم عدت للمحاولة مجددا. وفي خضم الحرب التي نخوضها كل يوم مع أنفسنا ومع كل ما يحيط بنا، نستمتع بكل ما يعترض طريقنا ونتقبل الفشل والانهزام وحقنا في أن نكون ضعفاء لنعود فيما بعد إلى المحاولة من جديد وبذل جهد مضاعف أو ببساطة التخلي عن الهدف واستبداله بآخر سيجلب لنا سعادة أكبر.

المصدر: وكالات