الأربعاء 20 مارس 2019 09:57 ص

لن أشرب القهوة.. سأحتسيها لأصبح مفكرا!

السبت 09 مارس 2019 11:00 ص بتوقيت القدس المحتلة

لن أشرب القهوة.. سأحتسيها لأصبح مفكرا!
أرسل إلى صديق

محمود الخطيب

نشر أحد الحسابات الوهمية صورة فتاة على الفيس بوك تضع قطّة تخفي بها جزء من مفاتنها، قام بكتابة تعليق بسيط تحت الصورة (اضغط لايك أو اكتب تعليقك وستختفي القطّة). قرابة النصف مليون تفاعل عبر طرق التفاعل التي يتيحها الفيس بوك للأعضاء. قرابة ربع مليون علّقوا على المنشور، وأكثر من مائة وخمسين ألف شاركوا المنشور. هذه ليست مجرد أرقام، هي بالواقع مؤشر خطير على اعتبار ما سبق هو عينة إحصائية (Statistical sample) قابلة للدراسة والتحليل والاستنتاج لإظهار مدى فهم اعتبارين مهمين عن وسائل التواصل الاجتماعي.

أولهما: تحديد مستوى ثقافة العضو المتفاعل، الثاني: منصات التواصل الاجتماعي هي تعبير حر لا تخضع لمعايير التثقيف والنقل المعرفي (Knowledge transfer) بشتى أشكاله. مساحة التعبير الحرة هذه كأي ظاهرة لها سلبيات وإيجابيات، لكن بالعودة لمصطلح نقل المعرفة وبمعنى أدق المعرفة القابلة للنقل (Transferable knowledge) هنا ينبغي توضيح نقطة غاية في الأهمية، المعرفة الغير قابلة للنقل هي ليست إلا مجرد (كومة) معلومات تتلاشى مع الوقت لأي عامل كان، سرعة الوصول للمعلومة وسرعة إعادة نشرها هي العقدة التي عمل عليها العلماء على مدى العصور حتى وصلت إلى عصرنا الراهن، فمن طيور تهاجر و خيل تعدو لمسافة طويلة لنقل رسالة فحواها قد يكون كلمتين لا أكثر، إلى نقل ما يزيد عن ستين جيجا بايت في ثواني مع توافر وحدات تخزين تكفي لتوثيق حياة البشرية لآلاف السنين.

أتاحت هذه المنصات النقل المعرفي المشوه بشكل غير مسبوق في التاريخ. مع هذه المقدمة العلمية المختزلة نفتح النار على الاستخدام السلبي لمنصات التواصل المذكورة التي تتسم بسرعة نقل معرفي غير مسبوقة، ولماذا غير مسبوقة؟ لأنها تتسم بسمة العرض والمشاركة الحرة بنفس الوقت، منشور بسيط على صفحة قادر على تغيير معايير وموازين عالمية. البيئة التفاعلية المحببة للمستخدمين والمعدّة بعناية فائقة واحترافية جعل المشاهدين والممثلين على المسرح سواسية وقلة قليلة تراقب ما يجري ما بين نقد أو جمع بيانات وإجراء احصائيات أو استفادة اقتصادية من تلك الغوغاء المعرفية (Knowledge mob)، فلنقفز سوية إلى ذلك المسرح لنحلل ما يجري وكيف أن الواقع التشاركي هذا يشكل أحياناً خطورة قاتلة لنمو الفكر البشري.

توفي الشافعي والمالكي وصلاح الدين وابن عربي والمئات غيرهم من الشخصيات الدينية المعروفة لكن على منصات التواصل هم أحياء يكتبون، عبارة دينية بسيطة فيها عبرة إيجابية من بنات أفكار الناشر مع تذييل صغير ينسب المقولة لأحد المذكورين كافية لجعل أحدهم يتكلم من قبره. صورة لتمثال أحد الملوك أو الفلاسفة اليونانيين مع حكمة منسوجة من الخيال تجعل التمثال ينطق على منصات التواصل.

مات إمرؤ القيس و المتنبي وأبو تمام وغيرهم من الشعراء القدامى وحديثاً نزار قباني وأحمد شوقي وبدر شاكر السياب لكن بمواقع التواصل صورة لأحدهم مع بضعة أبيات لها نسج عاطفي تجعل أولئك الشعراء ينطقون شعراً هزيلاً هم منه براء.

إذا أردت أن تنشر أحاسيسك عن حب دمشق وياسمينها لن تكلفك القصة كثيراً من الجهد ضع صورة نزار قباني وتكلم بعاطفة وإنسبها إليه وستكون من أروع العشاق الحالمين ويتابعك الكثيرون، وسينشرون أحساسيك على أكتاف ما لم يقله قباني. إذا أردت أن تبتكر حكمة دينية وتنشرها بسرعة ضمن تلك الغوغاء المعرفية ضع صورة الشيخ محمد متولي الشعراوي مع تلك الحكمة وأضمن لك أنك ستراها قريباً منتشرة انتشار النار في الهشيم وهو منها براء.

غوغاء معرفية قاتلة حملنا بها وزر رجال ونساء من التاريخ ذاقوا الأمرين ليبقى ذكرهم مع الأجيال القادمة، نازعنا الله على عرشه وخلقناهم من جديد بأبشع الصور النقلية الخاطئة. لم يكمل مرحلة دراسته الابتدائية ويتحدث عن المجرات والكواكب السيارة او يصنف الناس بين ضال ومهدي بعبارة بسيطة وضغطة زر، لا يعلم من الاتفاقيات الدولية في شأن البراءات شيئاً يذكر ويسمي فكرته (اختراع)، يتحدث عن المحرك دائم الحركة ناسفاً بذلك عرض الحائط عشرات السنوات من البحث الفيزيائي لإبطال حتى مجرد فكرة المحرك دائم الحركة، هو لا يعلم أن أحد الدول المتقدمة أصدرت سابقاً قانوناً يعدم من يتحدث بفكرة هذا المحرك المستحيل لمنع أي عالم أو باحث من إضاعة وقته في شيء محال علمياً لأنه يتنافى مع قوانين الطبيعة والفيزياء.

لا تشرب القهوة مثل غيرك، احتسيها لتكون مفكراً وانشر عواطفك وكلماتك الجذابة الخالية من متانة اللغة والمليئة بلغة العاطفة والإثارة، افعل ذلك ليتابع حماقاتك الآلاف ولتصبح مصدر معرفي مشوه يشرب من نبعه البسطاء فتتشوه المعرفة النقلية عندهم، من كان يظن أن هذه المتلازمة خاصة بالجهلة فهو مخطئ، أديب عربي مشهور شارك منشور فيه حديث شريف ليس صحيحاً ولا حتى ضعيفاً، إنه حديث جديد لم يرد بأيٍّ من كتب الحديث أو كتب تفنيد المنسوب للحديث الشريف، دسه أحد الخبثاء وقام الأديب بمشاركته.

يناجي أحدهم ربه قائلاً "ربّي هذا بيني وبينك فحقق لي سؤلي" ما أروع هذه الدعوة الصادقة، لكن يشوبها أنها ليست بينه وبين الله هي بينه وبين منصة منشوراته. متلازمة نقل كامل الأحاسيس من الواقع الذاتي النفسي إلى العلن عبر تلك المنصات ليست إلا بداية مرض يقتل الخصوصية والموهبة والفكرة والابداع ويمحو الشخصية، أن تشارك غيرك بما هو لك فماذا بقي لك؟

تلك الغوغاء أصبحت واقع يبدو لا مفر لأحدنا من تجنب كونه جزء منه وكلنا نقع في الحفر المعرفية السابقة لكن دون تذكير أنفسنا بمدى خطورتها على النقل المعرفي سنصنع جيل معرفي هش غير قادر على الانتاج المعرفي أو البحث الموضوعي أو التحقق من المصدر بوثوقية عالية. كما ساوى اختراع المسدس بين الشجاع والجبان، ساوت تلك المنصات بين الأحمق والمفكر. ترفع القبعات للهيئات والمنظمات الغير ربحية التي لا تكل ولا تمل ليل نهار من تصحيح المفاهيم وتدقيق المنشورات المؤثرة على الفكر العام بعد انتقال الفكرة من منصات التواصل إلى الواقع الاجتماعي الحقيقي وإلى المنصات الإعلامية المؤثرة.

كوننا في تلك الغوغاء فلنبدأ بتجنب التفاعل مع الغير موثوق المصدر، ولنحفظ الخصوصية قدر الإمكان في جوهرها وهو الذات، هناك من يجمع خصوصيتنا ليتاجر بها مستقبلاً. هب أنك تصعد يومياً إلى منبر وتحدث الناس بكل ما حدث معك سابقاً أو تفكر به الآن أو تخطط له وبكل ما تناجي به ربك ألا ترى ذلك ضرب من الحماقة؟

المصدر: وكالات