السبت 25 مايو 2019 12:21 ص

أبراج الوهم.. الطب والهندسة للنخب والأذكياء فقط!

الإثنين 11 مارس 2019 10:20 ص بتوقيت القدس المحتلة

أبراج الوهم.. الطب والهندسة للنخب والأذكياء فقط!
أرسل إلى صديق

مسلم عباس

الكليات الطبية والهندسية، هي الأفضل، وعليها تقاس جودة تعليم الطالب، ومدى ذكائه، هكذا تعلمنا التقاليد المتوارثة أن مكانتك يجب أن تحجزها في كلية الطب، وإن لم تستطع فكلية الهندسة، وإن لم تستطع فجحيم البطالة ينتظرك، وهذا المصير الأخير بحد ذاته انتقاص من شانك. والنظرة الموضوعية لجوهر الفكرة تكشف مدى ما تحمله من صوابية، فالتطور العمراني انتجته عقول المهندسين، والحفاظ على الجنس البشري كان مهمة الأطباء، هذا الواقع يحفز الأهل للدفع بكل طاقتهم لإدخال أبنائهم تلك الكليات النخبوية.

ومثل أي فكرة مستوردة، تحولت كليات الطب والهندسة إلى أماكن لتخريج أناس لا يعملون، أو لا يعرفون كيف يجدون فرصة العمل، كل همومهم جمع أكبر قدر من المال ليرتقوا ضمن طبقة النخبة، ومن ثم يحق لهم قول ما يشاؤون صحيحا كان أم خاطئا، جديرا بالاحترام أو تافها، أنت طبيب ولا بد أن تكون أفضل من غيرك رغم أنف المجتمع.

ذات مرة سألت أحد طلبة الهندسة وهو يتحدث معي باستعلاء، قلت له ألا تعتقد أنكم لم تقدموا أي شيء للبلد، فالتصاميم الأساسية للمدن يتم عملها في الدول الغربية والجسور التي شيدت لا تتناسم وأعداد المهندسين، وحتى مخرج المجاري (المنهولة) في الشوارع لم تجدوا لها حلا، إذ لا تزال "المنهولة" أعلى من الإسفلت الذي يغطي الشوارع ما يسبب مشاكل وحوادث مرورية كثيرة.

ارتسمت على وجه المهندس ابتسامة يابسة تشبه ضحكات الأستاذ في قاعة الامتحان، ثم قال إن الظروف السياسية للعراق لا تسمح لنا بالإبداع، فرددت عليه الكلام بالقول: إننا طلبة الكليات الإنسانية نعيش معكم في نفس الوطن، وما تعانون منه، نعانيه نحن أيضا، والفرق أنكم تصنفون ضمن طبقة المبدعين، وهذا يفرض عليكم ابتكار حلول جديد لأن الامتيازات التي تحصلون عليها، تقابلها التزامات تجاه مجتمعكم.

برج من الوهم

تفوق الكليات الهندسية وأخواتها وَهْمٌ صنعه الوَهْمُ نفسه، وإلا ماذا قدمت كليات الهندسة للعراق. تعال معي وانظر إلى جامعة بغداد التي تعد الأولى في العراق، وتضم كليتي هندسة لم يستطيع طلبتها أو أساتذتها حل لغز مجسر الجادرية منذ ٢٠٠٣ وحتى الآن. على الأقل فلتقدم هذه الكليات مبادرات ذاتية لبناء الجسر (أقصد بناء جسر ونفق في تقاطع الجامعة المزدحم جدا)، لا سيما وأن طلبة الكلية وكوادرها من المبدعين (حسب ما يروجون) ويمكنهم تقديم حلول مبتكرة حتى في أصعب الظروف التي ينعدم فيها الدعم المالي الحكومي. أنا أعتقد أن الكليات الهندسية نخبوية فعلا، فهي لا تقدم شيئا، وهذه من صفات النخب، تعتاش على ما يجود به المجتمع من تبجيل واحترام مقابل لا شيء.

أبطال هزمتهم الوظيفة

في حديث نخبوي آخر، سألني أكثر من طالب من طلبة كليات المجموعة الطبية عن إشاعة إيقاف التعيينات الحكومية المركزية لهم، وهم يتحدثون بخوف ورعب شديد، قال لي بعضهم: أين نذهب إذا لم توظفنا الدولة؟ اجبتهم بأن أبواب العمل واسعة ويمكنهم الحصول على فرصة، والحياة لا تتوقف إذا لم تحصل على وظيفة حكومية، يمكنك فتح مختبر، أو إنشاء مشروع صغير ضمن اختصاصك.

وحينما جلست مع نفسي، طرحت السؤال الآتي: هل يعقل أن طالبا متفوقا مثل طلبة كلية الطب يحصل على أعلى الدرجات، يجيد كل أساليب الأذكياء، لا يمكنه البحث عن وظيفة تناسبه؟ إلا يعد هذا تأكيدا على أنه ليس إلا أداة استنساخ للكتاب، وإلا ماذا نفسر فشل طالب الطب في الحصول على فرصة عمل بينما نجح فيها كثيرون لم يحصلوا على الشهادة.

للقارئ حق الاعتراض على ما أتحدث به، فالواسطة والعلاقات الشخصية هي التي تحكم البلدان العربية، وبالتالي قد يدفن الأذكياء تحت رحمة الظروف، لكن أنا اعترض على فكرة عدم قدرة الطالب المجتهد في التغلب على الظروف نفسها، إنه يمثل لسان حال البطل السوبر مان، ويعتبر نفسه الأذكى والأكثر قدرة على الابتكار وفي ظل الظروف المعقدة يكتشف من يحمل هذه الصفات، عليه تأدية دور السوبر مان أو اذهب إلى الأشخاص الطبيعيين أمثال طلبة الكليات الإنسانية.

أن تكون نخبويا فعليك دفع ضريبة احترام المجتمع لاختصاصك، لا تستغل تقديس الناس لك دون أن تقدم شيئا، فالكليات التي لا تبني الجسور، ولا تعمر المدن لا تختلف كثيرا عن مدارس الوعظ الديني التي تروج لتقديس أشخاص لا يقدمون أي خدمة إلا ما يتعلق بتبجيلهم وتقديسهم.

المصدر: وكالات