الإثنين 18 مارس 2019 11:34 م

حارتنا

نافذة الصف

الإثنين 11 مارس 2019 07:43 ص بتوقيت القدس المحتلة

نافذة الصف
أرسل إلى صديق

ناهض الوشاح

الباب المخلوع والخطوات المترددة... المقعد البارد والقلم المرتجف ... الزجاج المكسور لنافذة مغلقة في غرفة لصف مدرسي تُطل على مدرسة في سوق ... سوق في مخيم ... مخيم في مدينة ... مدينة ذابلة مليئة بتفاصيل لا ترى إلا الفراغ أو اللون الأخضر الذي يُمثّل لهم وطنا ... وطنا محشورا في نادي كرة قدم  وفي هُتاف لا يهز العالم إلا من أذنيه.

تنحنح المعلم بعدما فرك أصابعه التي أشعلت آخر سيجارة من النوع الرخيص ... وفي كل مرة يتذكر كلام زوجته عن الراتب الذي لا يشتري سيارة ولا بيتا ولا ستائر لنوافذ الليل المفتوح ... فاكتب الفضاء العيني لتجربة رمي سيجارتين مرة واحدة مقابل كل رغيف خبز لن تأكله.

تثاءب التلاميذ أمام تجربة لن تشعل الدفء في أجسادهم ... انشغل كل واحد بقلم لا يكتب إلا ما يُؤمر ... ومهما تأمر العقل يفعل ... سلّم عقلك إلى الهتاف وستنجو لم ننتفع بما سمعنا.

ترأرأت عيونهم وهم ينظرون إلى رسم المثلثات والمربعات والدوائر على لوح غير محفوظ ... وأشار بالسبابة دون الوسطى إلى مثلث تلتقي فيه الرؤوس وتتكسر فيه الأضلاع ... ولا مكان ننتمي إليه في كل خطوة نسير فيها نحو الأسفل.

الدائرة تجمعنا تُشبه الكرة وتُفرقنا لأننا نُشبه الدمى في مربع مكتمل الأضلاع ... مليء بفراغ الإدراك، لعبة، تسلية تتحول إلى لعنة وجحيم ... كيف يسيطرون على عقل واسع في مُخيم ضيق. سمعنا ولم نطع إلا أهواءنا التي نتبعها ولا نبتدعها.

انتهت الحصة التي لم نتذكر منها سوى رائحة المعلم المعبّقة بالسجائر ... فأحببنا غيابه أكثر من حضوره.

نفس المكان الذي لا ننتمي إليه ... عُمق الكلمات التي كتبناها في دفتر التعبير كانت من عمق أوجاعنا ... اختصر حلمك في صفحة ... فكتب الأول عن سفر ينتظره ... وكتب الثاني عن وظيفة سيتسلمها عن والده وكتب الثالث عن رصيف بانتظاره ... وكتب الرابع أن المستشفى لأمه وسيكون طبيبا لا محالة ... وكتب الخامس عن حرية الوعي ... عن الكائنات التي تحيا بكل زخم الحياة ... عن الهوس في الفرار نحو امرأة وعدته بالانتظار ... حتى التي أنجبته لم تنتظره ... فأيقن أن كل شيء فاسد ولم يعد ثمة أخلاق.

سأله المعلم ... ماذا يعمل والدك حتى علّمك كل هذا الوضوح؟

خادم ... يخدم زوجته وأولاده ... حدّاد يُحدد طريقة انحنائه ... شعاره المال أولا وكل شيء يهون بعد ذلك ... يحب أمريكا لأنها تعطينا القمح ويحب اسرائيل لأنها رمز القوة والسيطرة ... فانتفع بما سمع... وخضع.

نافذة الصف ما زالت تُطل على خطوات مولعة بالتراخي ... مشغوفة بما تسمع ... لا تعيش ما تحبه ... ولا تحب ما تعيشه ...

مُعلّم التاريخ ... يروي لنا ما لم تقله المناهج ... سلة المهملات أقرب مكان ليعبّر فيها عن سخطه ... بصاق فوق كتاب لا يعطينا إلا القشور وشهادات نحملها في النهاية لا تصلح إلا في التفاخر بين الناس ... تشبه قميصا أبيض نرتديه في أوقات المناسبات وفي لحظات الشوق العاجل أمام امرأة تحب مجازك ولا تحب حياتك. ثم سأل هل تعلمون لماذا تجاوز أبو بكر الصديق عن خالد بن الوليد عندما قتل مالك بن نويرة ومن ثم سبى امرأته وتزوجها رغم أنف الجيش؟ قتلتنا الردة أيام الشدة يا مولاي.

البرد يتغلغل في أرواحنا ...النافذة مغلقة والزجاج مكسور والسيف المسلول يقتل ويسبي وفي النهاية يموت على فراشه ... ؟

انتهت الحصة ولم نعرف الإجابة ...

تلقين ... نحفظ ولم نفهم ... انفصام بين لغة الدراسة ولغة الحياة ... حتى الحصة الأخيرة ... كل الألوان لا ترسمك ولا تعطيك الحق باختراع قزح لك دون قوس.

رسم المعلم ... خطين متقابلين ... هل يلتقيان؟ بينهما نجمة سباعية ... ولون لتفريق الجمهور المنتمي واللامنتمي.

من ينتمي للون الأخضر له بلد ومن ينتمي للون الأزرق له بلد ... وأنا لا أنتمي إلا للجوعى والقلقين والمشرّدين ... ولون الذل يحكمنا.

فأجابني المعلم فأنت بلا بلد يا ولد. فانتفعت بما عشت ... ونظرت إلى نفسي فرأيتني ما زلت أنظر إلى نافذة الصف هامسا بيني وبيني ... ليست الفضيلة أن تفهم هذا العالم وإنما الفضيلة أن تناضل من أجل تغيير هذا العالم ولتذهب كرة قدم تُفرقنا إلى الجحيم.

المصدر: فلسطين الآن