الخميس 21 مارس 2019 07:59 ص

مسيرة العودة الفلسطينية.. ما المطلوب في عامها الثاني؟

الثلاثاء 12 مارس 2019 05:20 م بتوقيت القدس المحتلة

مسيرة العودة الفلسطينية.. ما المطلوب في عامها الثاني؟
أرسل إلى صديق

أيمن تيسير دلول

حينما انطلقت شرارتها نهاية مارس عام 2018م تعرض القائمون عليها لهجومٍ كبير داخل الساحة الفلسطينية، رغم حجم المشاركة الكبيرة في أنشطتها وفعالياتها الميدانية، لكن مع مرور الوقت بات الحديث عن تكلفتها يتلاشى شيئاً فشيئاً، وإن لم ينتهي بالكامل، فلا شيء بلا ثمن، غير أن حدة الهجوم الإعلام خفت لحدٍ بعيد، حينما بدأ المواطن الفلسطيني يلمسُ حالةً من الحراك الدولي القادم لغزة، وبعض التغييرات الإيجابية في الواقع المعيشي الغزي الصعب، نتيجة الحصار الصهيوني المشدد على القطاع منذ أكثر من عشرِ أعوام متواصلة.

كان الرهانُ في البداية من قبل قادة الاحتلال الصهيوني، وبعض الأطراف الإقليمية بأن مسيرات العودة الكبرى وكسر الحصار التي انطلقت في قطاع غزة، لن تستمرَ كثيراً من الوقت، وراهنوا في ذلك على تحسينات في جدول وصل الكهرباء أو المنحة القطرية لفقراء وموظفي غزة، وتارةً كان الرهان على مسألة العوامل الجوية المتمثلة في فصل الشتاء ببرودته وآثاره على الميادين القريبة من الأسلاك الصهيونية التي تسلبُ الأرض الفلسطينية شرق قطاع غزة. الآن وبعد أن شارفت مسيرات العودة الفلسطينية على دخول عامها الثاني وبشكلٍ سيكون أكثر عنفواناً وديمومة، كما يبدو من المتغيرات الميدانية، يمكن القول أن الإرادة الفلسطينية المتمسكة بحقوقها وثوابتها هي التي انتصرت، وخالفت بذلك كافة الدراسات والآراء التي توقعت تلاشي معالمها على مشارف الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وبعد اثنا عشر شهراً من الثبات والإصرار الشعبي على التواجد في الميدان رغم المخاطر، يمكن القول أن هذه هذه المسيرة حققت الكثير من المنجزات على صعيد: إبقاء مسألة عودة اللاجئين حاضرةً في الذاكرة الفلسطينية رغم حالةِ التسابق في التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني والتنسيق الأمني الذي تقوم به قيادة السلطة الفلسطينية معه، كما أن المسيرات شكلت حالةَ ضغط على قادة الاحتلال الذين كان مسعاهم أن يموت الشعب الفلسطيني في غزة بصمت بالجوع أو المرض نتيجة الحصار فكانت المسيرات تدفع جيشهم للاستنفار على مدار الساعة خشيةً من متظاهرين سلميين شاهدوا أرضهم تُحيطُ بها أسلاك الاحتلال فقرروا العودة إليها من جديد مهما كان الثمن.

هي الأداة الفلسطينية الرائعة في المقاومة الشعبية التي أعادت الصدى من جديد للقضية الفلسطينية في المحافل الدولية وأعادت توصيف "إسرائيل" بأنها تُمارس القتل والإجرام بحق متظاهرين سلميين في عربدةٍ قد ترتقي لمستوى جرائم حرب، وهي -أي المسيرات- التي دفعت الشعب وأجنحة المقاومة الفلسطينية لتبادل الأدوار بشكلٍ مقبول فيما بينهم. فحينما تعمل الرصاصة تهدأ المسيرات الشعبية وحينما تتقدم الجماهير إلى الميدان فهي تمتلك اليقين الكامل بأن ثمةَ قناصٍ فلسطيني يرصد أدق التفاصيل ويدرس التعامل مع اعتداءات الاحتلال بحق المدنيين السلميين بالطريقة التي تُناسب العمل العسكري، ومن الخير الذي حققته تلك المسيرات أنها أعادت توحيد العمل الوطني المشترك بين كافة الفصائل والمؤسسات الفلسطينية بعدما غاب لسنواتٍ طويلة- باستثناء قيادة حركة فتح- التي قررت الوقوف وحيدةً بعيداً عن الكل الوطني، ولعل من حُسن الطالع أن مسيرات العودة تمكنت من توجيه الغضب الفلسطيني صوب ناحيته الحقيقية بعدما كادت فتنة داخلية ستقع نتيجة اشتداد الحصار الصهيوني والأزمات اليومية.

لقد جاءت المسيرات لتؤكد بأن المسؤول عن المعاناة الفلسطينية إنما هو الاحتلال الصهيوني والاحتلال وحده في المقاوم الأول، ولعل من المنجزات- التي لا يمكن ذكرها في مجرد مقال- أنها حققت العديد من المنجزات الفلسطينية بأقل تكلفة ممكنة. فحينما كان البعض لا يرى مخرج لغزة سوى بالعمل العسكري كانت المسيرات أفضل وسيلة لإيقاظ ضمير العالم بأقل تكاليف من حربٍ باتت غزة لا تجد الدعم المناسب لها من الأنظمة العربية أو اللوبيات الدولية المتواطئة مع الاحتلال الصهيوني.

لكن ورغم هذه المنجزات وغيرها، فالمطلوب في العام الثاني من مسيرات العودة خطواتٍ وإجراءات من شأنها مضاعفة المنجزات، وتجاوز الثغرات، وزيادة الضغط على الاحتلال الصهيوني لانتزاع المزيد من الحقوق الفلسطينية المدفونةِ تحت أنياب جرافاته منذ عقودٍ من الزمن، ومن ذلك:

- ينبغي استنهاض الضفة الغربية المحتلة ولو كان اعلامياً بتسجيلاتٍ مع كبار السن لتعزيز حق العودة والمطالبة بالحقوق الفلسطينية كالقدس والأرض واللاجئين، والحواجز الصهيونية والقتل على الهوية والمداهمات والاعتقالات، والأجواء الحالية مناسبة لذلك بعدما باتت الضفة تعيش حالة الفقر والغضب نتيجة تقليص رواتب موظفيها من قبل السلطة الفلسطينية وإجراءات اقتصادية وسياسية وأمنية أظهرت المعاناة اليومية هناك وغياب الأمن الفردي للإنسان الفلسطيني من اعتداءات المستوطنين وقوات الاحتلال.

- ينبغي استنهاض فلسطينيي الأرض المحتلة عام 1948م ولو كان كذلك إعلامياً كذلك وبحراك أسبوعي شعبي، ولا يجب الرضى بحالة تذويب الهوية الفلسطينية التي يمارسها المحتل الصهيوني بحق أكثر من مليون فلسطيني في الداخل المحتل.

- الفلسطينيون في دول الطوق العربي داخل لبنان وسوريا ومصر والأردن، هم الآخرون ينبغي عليهم التحرك. صحيح أن سُلطات تلك البلدان تمارس التطبيع العلني والسري مع المحتل الصهيوني ولهم مصالح معينة مع الاحتلال، لكن ينبغي البحث عن مخارج للتواجد والتجمهر في أقرب مناطق ممكنة من الأرض المحتلة، وتحديث الأجيال عن فلسطين كي تبقى حاضرةً في ذاكرتهم.

- الفلسطينيون في المهجر لا يكفي أن يقوموا بحملات تغريد لصالح القضية الفلسطينية وتنظيم ندوة هنا وندوة هناك، فالدول التي يتواجدون على أرضها فيها حريةُ عملٍ وتحرك قد لا تتوفر لغزة، وعليهم التحرك في ميدان الإعلام والقانون والفن والتراث وغيره. صحيح أن السفارات الفلسطينية لا تقوم بهذا الدور مُطلقاً، لكن لا يجب الصمت بصمت تلك السفارات، وفلسطين تستحق جهد كل واحدٍ منا، وهو جهدٌ لن تقوم به غزة وحدها ويكفيها ما هي فيه هذه الأيام.

لا ينبغي لغزة أن تبقى وحيدةً في مواجهة الاحتلال الصهيوني بالسلاح والعمل الشعبي والإعلامي وكل المجالات، بينما تبقى كافة ساحات العمل الفلسطيني تؤيد خطوات غزة بالهتاف والتصفيق. فلسطين لن تعود بهاشتاق على توتير أو مؤتمر صحفي، أو مهرجان جماهيري، فلسطين يا سادة تحتاجُ كل دعم وتحرك حقيقي، تحتاج لغالبية الجهد والوقت وليس فُتاتاً منه.

قراءة بسيطة لتاريخ نشأة الكيان الصهيوني تُخبرنا ماذا أنفق لذلك ولا يزالون، الخبراء من أوقاتهم، وأصحاب المال من أموالهم، والشبابُ من قوتهم وعضلاتهم، لكن اليوم نظرة بسيطة للأسف تُخبرنا مآسي ما يجري: في القدس لا دعم، في غزة أهلها يكادُ الموتُ يتخطفهم من الجوع والمرض... والكثير من المشاهد المؤلمة.

لا يكفي أن يقول أصحاب المال بأن الأنظمة في بلادهم تمنع دعم فلسطين وتُشكل لهم تهديد، فمن أراد وطناً بدايةً ينبغي أن يُضحي إما بنفسه، وإما بماله، أو وقته، ومن جانبٍ آخر فمن سعى لأداء مهمةٍ ما تخدم قضيته فلن يعجز عن إجادة وسائل يتخطى خلالها كل القيود والحواجز.

المصدر: وكالات