الجمعة 24 مايو 2019 02:44 ص

كرة القدم من صناعة الفرجة إلى توليد العنف

الثلاثاء 12 مارس 2019 06:00 م بتوقيت القدس المحتلة

كرة القدم من صناعة الفرجة إلى توليد العنف
أرسل إلى صديق

ياسين حكان

لعبت لعبة كرة القدم دورا هاما في إدخال الفرح والسرور في قلوب متابعيها، ومنحهم المزيد من المتعة، بل ساعدت البعض على تجاوز لحظات اليأس والقنوط، ومنحتهم ما يكفي من اللحظات الجميلة ومن المشاعر المرهفة بالانتصار، بل وجددت روح العزيمة في نفوس المحبطين.

وبهذه الطريقة، أصبحت لعبة كرة القدم تستهوي عددا كبيرا من المتابعين من كل أنحاء العالم، وخصوصا في التظاهرات الرياضية الدولية، تجد أن اهتمام الناس بالكرة لا يقل أهمية عن اهتمامهم بالحاجة إلى الطعام والشراب، وهناك البعض من الناس قد يلغي كل أشغاله والتزاماته الأسرية والعائلية ليواصل مشاهدة فريقه المفضل، وليس العيب في هذا الأمر، أن يخصص الإنسان جزءا من وقته، ليستمتع بمشاهدة أداء فريقه المفضل وتشجيعه من خلال الحضور في الملاعب الرياضية المحلية والدولية، لكن العيب هو ألا يوازن الانسان بين اهتماماته وانشغالاته والتزاماته ويقصر في أمور؛ كان من اللازم عليه ألا يقصر فيها.

ما أثارني في هذا الموضوع حتى اهتديت إلى كتابة هذه المقالة، هو حجم العنف المتولد عن العاطفة الجياشة التي تحفز المشجعين لفريق ما، ومن الغريب أن تجد ألوفا كبيرة من الناس تكسر وتشتم الآخرين وتساهم في صناعة وتوليد عنف تجاه الآخر، نظرا لأنه يشجع الفريق الخصم، ولأنني لست من هواة ولا متابعي لعبة كرة القدم وفرقها المتعددة الألوان والأجناس والأشكال، هذا الأمر قد يكون مفيدا لكي نتجاوز الذاتية في تحليلنا لأي موضوع، فالتزام الحياد مسألة لابد منها عند تحليل أية ظاهرة، ومن الملاحظات البسيطة التي قد يلاحظها الصغير والكبير هي تلك الفوضى والعبثية التي تسيطر على الجماهير تؤدي بالبعض منهم إلى ممارسة أفعال لا أخلاقية وغير قانونية، كما أنها محرمة شرعا كالقذف والشتم وتعنيف الآخرين، إنها بتلك الطريقة تحول هذه الجماهير غير الواعية المدرج من رقعة لصناعة الفرجة إلى توليد العنف والألم واليأس، إنها جماهير لم تعي بعد أهمية الاختلاف وأن الاختلاف رحمة بنا وبالآخر.

وهنا أصاب بنوع من التشاؤم واليأس من أبناء اليوم وآباء الأمس، إذ نرى أن أناسا كثر يفقدون أعصابهم لمجرد هزيمة الفريق المفضل، ويلقون باللوم على اللاعبين والحكام ولاعبي الخصم والمدرب ومدرب الخصم، هكذا يمارسوا هؤلاء عجزهم ويحاولون أن يبرروا فشل فريقهم، وليس الإشكال في الهزيمة ولا في توالي الهزائم، بل الإشكال في مخلفات ونتائج المباراة السلبية من جرحى ومعطوبين، بهذا المعنى يتحول الملعب إلى رقعة للدماء وهتك الأعراض، كأننا في حرب مع أنفسنا وضد أنفسنا.

إنه مشهد مرعب حقا، أن تتحول وظيفة الملاعب من صناعة الفرجة إلى توليد عنف اجتماعي، فكرة القدم صارت تجارة وصناعة تهتم بها المنظمات والدول التي تؤمن بإبداعات العقل البشري، بل وتحترم خصوصيات الناس من خلال توفير الملاعب والمرافق الرياضية لدرجة أنها أن تشجع الصغار والنشء الجديد على الانخراط في النوادي وبرامج تعليم كرة القدم، إنه شيء جميل؛ أن يستثمر الانسان في موهبته ويطور إمكاناته ومهاراته الرياضية، هذه الدول والمنظمات الدولية ترعى الموهوبين وتدفع لهم أموالا طائلة للحصول على تدريب أفضل لإطلاق العنان للقدرات.

كما أن صناعة الفرجة أصبحت من الأمور الأساسية التي لابد من الانشغال بها نظرا لما تدره كرة القدم من أموال وغنائم كبيرة على اللاعب وعلى فريقه، وعلى دولته، خصوصا في تظاهرات كبيرة مثل كأس العالم، كأس القارة... إذ هي لعبة تستدعي أن يتوفر الفرد على مهارات أساسية وهامة، وقدرات جسدية عالية تؤهله ليكون نجما رياضيا، لكن الغريب في الأمر، هو لماذا الجماهير تدمر وتكسر المعدات وبل العنصر البشري، وتعمل على تخريب مدرجات الملاعب؟، هل لأنها لم تعد تسيطر على سلوكياتها كأنها مصابة بالهلوسة؟ أم أن كرة القدم هي مخدر العصر؟ ولماذا ينتشر العنف والحقد بين جماهير الفريقين؟ هذه الأسئلة وغيرها تساءلنا، لماذا نتصرف بمثل هذه الوحشية والعبثية التي تسيء لطبيعتنا الإنسانية؟ إننا بهذه الطريقة، نمارس أفعالا غير إنسانية مع الإنسانية، كمن يقابل النار بالماء، ليس من السهل إيجاد حلول فعالة لتقليل من أخطار هذه الظاهرة.

إذ إن ظاهرة العنف الرياضي هي نتاج بيئتنا الاجتماعية وتكويننا النفسي، وتأثير وسائل الإعلام علينا حتى بدأ البعض منا يفقد بوصلته في هذه الحياة، إذن تمت إشكالات عديدة وتجليات كثيرة تظهر حجم تخلفنا ومن بين الإشكالات التي تواجهنا هي قضية العنف داخل المدرجات الرياضية، فالعنف هو تعبير سيء عن الذات أو هو انعكاس الأنا السلبية علينا، إذ هو تفاوت موازين الشر والخير داخلنا، حيث أن المرء لم يعد يأبه لأمر أخيه الانسان ولم يعد يفكر في مصلحته ومصلحة غيره، ويمكن نصف الآخر في هذه الحالة، كما قال الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر، أن "الآخر هو الجحيم"، لكن في حقيقة الأمر ومن واقع التجربة، ليس الانسان عدوا لأخيه بهذه الدرجة، ربما أن ثمة عوامل أخرى هي التي ساهمت في تفشي ظاهرة العنف في الأوساط الرياضية، وفي انتشاره داخل المدرجات، كما أن منسوب العنف يرتفع في الدول المتخلفة مقارنة مع الدول المتقدمة لأن قلة الفضاءات الرياضية والترفيهية قد يكون السبب الأرجح وراء تحويل الملعب كحلبة للقتال والصراع بين شخصين من نفس المدينة وبالأحرى من نفس الحي، كما أن هنالك أخرى أدت إلى الوصول إلى هذه الفوضى والعبثية، كالجهل، الأمية والفقر، وهشاشة البنيات الاجتماعية التي ساهمت في إنتاج وتوليد هؤلاء الأفراد.

فمن سمات الانسان العاقل هو ترفعه عن سفاسف الأمور، إذ من الواجب على أي شخص أيا كان مستواه الفكري والثقافي أن يحترم الآخر المختلف معه سواء في اختيار الفريق المفضل أو في تشجيع فريق، فثنائية الرجاء والوداد(فريق الرجاء والوداد الرياضي) مثلا بمدينة الدار البيضاء المغربية، لها آثار وانعكاسات سلبية على الفرد والمجتمع، إذ تجد أسرا مشتتة نظرا لاختلاف الاختيارات، فالأب (رجاوي) مثلا، والأم (ودادية)، والابن (ودادي) والبنت (رجاوية)، هذه الثنائية تساعد في تعميق الانقسامات الأسرية وفي توليد الفوارق بين أعضاء نفس الأسرة فيما بينهم، وفي إنتاج المزيد من الألم والحقد المتوارث عبر الأجيال، هكذا تحولت لعبة كرة القدم من صناعة الفرجة إلى توليد عنف اجتماعي.

المصدر: وكالات