السبت 20 أبريل 2019 03:41 ص

كيف يؤثر الدعم النفسي المغلوط على الفرد؟

السبت 16 مارس 2019 12:00 م بتوقيت القدس المحتلة

كيف يؤثر الدعم النفسي المغلوط على الفرد؟
أرسل إلى صديق

هنادي نصر الله

قدس نفسك بدل المرةِ ألف، وعزها في كل شيء، فما عزّ إنسانٌ نفسه إلا وجدها، وما قللّ من تطلعاتها فردٌ إلا ووجدَ من يستهينُ به، انطلق حيثٌ أحلامك الحلوة، وروحك الأحلى، واصنع مستقبلاً يفلقُ لجماله كلَ صخر، أغلق أذنيك وانطلق، غنِ لحنَ التحدي وانطلق، وحدك من يُدرك ماذا تُريد وكل من حولك لن يفهموا احتياجاتك مثلما تفهمها أنت...! نعم أنتْ.

فلا تدع أحدًا يلونُ دربك، فقد لا يملك إلا اللون الأسود، ذلك اللون الذي يُعبرُ عن سوادِ نيته تجاه قلبك، بل قل تجاه كل شيءٍ ألفته ومن أعماق قلبكَ سعيتَ لأجله، دعْ أحاديثَ البشرِ خلف ظهرك، وانظر بعينيك إلى الأمام، فكل من نظرّ إلى الأمام وأمعن التدقيق في بصيصِ النور من بين عتمة لياليه إلا وحقق مراده.

كلُ الذين وكلوا آباءهم وأمهاتهم أو حتى أزواجهم أو أصدقائهم ليصنعوا لهم مستقبلاً نيابةً عنهم؛ فشلوا عند أول عاصفة، فلا تسيروا حذوهم عند تحديد المصير، حددوه بصلاة الاستخارة والدعاء ومحاصرةِ المتطفلين على حياتكم أصحاب التدخلات المقيتة، لأن أمثال هؤلاء لن ينفعوكم بقدر ما سيضروكم، أجل لن ينفعوكم، حتى تلك الأم الحريصة على ابنها والتي تُرشده أين يذهب وأين يقضي يومه، وتتابع معه تفاصيله الدقيقة لحظة بلحظة، ستُضعفه وتُحطمه عند أي ريحٍ تعتريه، ذلك لأنها لم تُعلمه كيفَ يعتمد على نفسه في لحظاتِ القوة قبل الضعف!

لا أحد يبقى لأحد، حتى الآباء والأمهات يرحلون، تلك حقيقة يُسلم بها الجميع، ومع هذا يقتلُ كثيرون من الأهالي أبناءهم دونما قصدٍ منهم، حين يدمنون إصدار الفرمانات والأوامر لهم، دون أن يكلفوا أنفسهم بمتابعتهم عن بُعد بعد أن يطلبوا منهم تدبير شئونهم اليومية بأنفسهم، هذه أنجح طريقة لصناعة الأجيال، أن يُترك لهم مساحة جيدة للتعبير عن أنفسهم وتطلعاتهم بدونِ إملاءات أو شروط أو حواجز أو اعتراضات من أحد.

 

الورود الناعمة، بحاجةٍ إلى سقايةٍ طيبة، لتُنبتَ نباتًا مباركًا، يُباهي به الآباء بعضهم البعض، لا بحاجةٍ إلى تربةٍ مشبعة بالآلام والأوجاع، لا أقصد بقولي هذا دائرة الأسرة فحسب، بل يجب أن يتعدى ذلك ليشمل كل دائرةٍ من دوائر المجتمع، فلا نطعن في خُلق الطفل ولا في تربيته، بل نحاول أن نتفهم كل ما يُضايقه فقد يكون صُدم بمعلمه الذي كان قدوته في الفصل، وقد يكون الأذى قد لحقه من مقربٍ منه أو صديقٍ أو جاءته ضربة من حيث لم يظن يومًا أن تأتيه!

في مثلِ هذه الأحوال يكون احتواء الطفلِ واجبًا دينيًا قبل أن يكون مجتمعيًا، إن ثقافة التفهم قلما نجدها في مجتمعاتنا العربية، إذ أن اتهاماتنا لبراءة الأطفال وخدشنا لإنسانيتهم غالبًا ما تكون جاهزة، كأن يقول الأب لزملائه "ابني هكذا عصبي وانفعالي ومريض ومعقد" يذم في ابنه وما أدرك أن العيب فيه، لعدم نضجه الثقافي في احتواءِ أزمات طفله، الذي أخرجه إلى المدرسةِ طاهرًا لكن بيئة المدرسة جاءتْ في بعض سلوكياتِ طلبتها أو حتى مدرسيها عكس ما تربى عليه من مبادئ وأخلاق حميدة.

كثيرون في القطاعات المختلفة بأمس الحاجةِ إلى أساليب التربيةِ الصحيحة في التعامل مع أصحاب الأزمات والإشكاليات، سيما وأن أغلبهم يدركون حق الإدارك أن إنصافهم وإخراجهم مما هم فيه من ألم لا يحتاج إلى ذكاءٍ كثيرٍ بقدر ما يحتاج إلى عقولٍ ناضجة متفهمة، عقول لا تحجرُ على أصحابها ميولهم ورغباتهم، عقولٌ تقهرُ الصعب، وتسعى لتحقيق كل مطلبٍ نبيل، على قاعدة "إن لم تنفع فلان لا تضره"!

أغلبُ الذين يعيشون في مستنقعٍ بشعٍ من الأزمات النفسية، هم أقدر الناس على مساعدةِ الآخرين وتفهم احتياجاتهم، فيمدون يد العونِ لمن يعيشون نفس وجعهم، في الوقتِ الذي لا يجدون من يساندهم مساندة لا تُلحقُ بأرواحهم أي منةٍ ولا أذى!

تلك المساعدة التي تُراعي خصوصياتهم، فلا يُفسحون المجال لأي متطفلٍ أن يطلعَ على أوجاعهم إلا بإذنهم، تلك المساعدة التي لا تتعدى حدودَ الثقة، فتصبح مع الأيام فضيحةٍ مدوية؛ فالكتمان صفةٌ حميدة لا يجبُ أن يتخلى عنها المرشدون التربيون والمصلحون الاجتماعيون، وكل من له علاقة بالتأهيل والدعم والمساندة، مع التشديد على أن صاحب الوجعِ له كلمته الفصل في تحديدِ آليةِ علاجه وما يُناسبه من طرقٍ حميدة.

لا تقسوا على أبنائكم بالمراقبة الزائدة لحياتهم، امنحوهم من الرعايةِ ما يكفيهم، ولا تُضيقوا عليهم، تفهموا احتياجاتهم لتنميةِ ذواتهم مثلما تتفهمون احتياجاتهم للمأكل والمشرب، وتذكروا أن بينان الحياة أسس على تقوى الله وتحريم الظلم، فالله منذ خلق آدم وحواء وجد بينهما مودة ورحمة.

ارحموا أنفسكم بالتفهم، بالاحتواء، بالنصح والإرشاد بدون تجريحٍ لبعضكم البعض أو لأبنائكم، فروعة الحياة تتجلى باحترام الخصوصية، وإياكم أن تظنوا أن الأطفال لا يجب أن يكون لهم جانب خصوصية، هذا للطفل فما بالكم فيما يخصُ بأبنائكم الشباب؟

المصدر: وكالات