الإثنين 17 يونيو 2019 07:40 م

الشعوب قد تغفو .. لكنها لا تموت!

السبت 16 مارس 2019 12:20 م بتوقيت القدس المحتلة

الشعوب قد تغفو .. لكنها لا تموت!
أرسل إلى صديق

ونّاس بن نيّة

إن أخطر الناس على فكرة ما، هم أولئك الذين يقفون في منتصف الطريق بين أعدائها وأنصارها. وعندما يتعلق الأمر بقضية شعب، يصبح الحياد ضربا من ضروب الخيانة المشروعة. وإذا كانت قضية ذلك الشعب إنسانية، فإن الخيانة المشروعة تصبح شكلا من أشكال العداوة. إن المحايد رجل يقف عاجزا في منتصف الطريق بين ضربة الجلاد وصرخة الضحية. إن المحايد رجل خذل القضية والمدافعين عنها في الوقت نفسه. ولذلك كان أحد المقاتلين في ساحة المعركة يردد (يجب عليك أن تختار الآن وللأبد في صفّ من تقف أنت؟ لا زالت هناك رصاصة واحدة في بندقيتي وآلاف الأعداء وأنت).

إن ما يحدث للأطفال في سوريا ليس قضية السوريين وحدهم، وما يحدث للإخوان في مصر ليس قضية الإخوان وحدهم، وما سوف يحدث غدا ليس قضية الجيل الذي سيأتي من بعدنا لوحده، بل هي قضية ملايين البشر الآخرين الذين ماتوا من الداخل على قارعة الحرب والجوع والخوف. ولذلك كان غسان كنفاني يردد (إن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت، إنها قضية الباقين المنتظرين بمرارة دورهم لكي يكونوا درسا صغيرا للعيون الحية). وفي زمن الحرب تفقد الأشياء معناها الحقيقي، وتصبح كل التفاصيل فعل مقاومة أبدية قبل أن تضيع القضية بين تخلي الجبناء عنها، وركوب الانتهازيين عليها.

لا أذكر من قال (أنت لست مسؤولا فقط عن الأشياء التي قلتها، بل أنت مسؤول أيضا عن الأشياء التي لم تقلها حين كان يجب أن تقولها). فما أكثر الأشياء التي كان يجب أن نقولها منذ بدأت الحروب تلتهم أوطاننا، واحدا تلو الآخر، لكننا سكتنا؛ إما بسبب الخوف، أو لأن الموت صار خبزنا اليومي الذي نقتات عليه؛ نتصفح جريدة الصباح فتصادفنا قائمة المحكومين بالإعدام لمجرد أنهم آمنوا بوطن أفضل. وفي المساء، نفتح شاشة التلفاز فتحدثنا لغة الأرقام عن عدد القتلى والجرحى، وقد نسينا أن أولئك الذين يموتون وراء الشاشة المستطيلة هم بشر مثلنا تماما من لحم ودم ووطن، لكن لا أحد حدثنا يوما عن الضحايا الذي سقطوا أمام الطرف الآخر من شاشة التلفاز.

بعض الثورات كانت قاسية عندما أعدمت كل الذين لا يؤمنون بها، وبعض الثورات الأخرى كانت ساذجة لأنها أعطتهم فرصة لا يستحقونها في الحياة. ولدت الثورات بأحلام شاهقة، كانت بريئة ثورتنا في عامها الأول، خجولة في عامها الثاني، مشاكسة في عامها الثالث كحلم طفل مراهق، وقاسية كالقدر في عامها الرابع..ثم ماذا؟ لم يعد الزمن يعني شيئا لأمهات الشهداء وأبناء الفقراء. إنه من المؤسف حقا أن يعود الزمن بالثورة إلى الوراء، فتفقد قدرتها على التمييز بين الشهداء والعرابين الجدد. ربما قدر هذه الثورة منذ البداية أن تولد بأحلام شاهقة ثم أن تتكسر على صخور السياسة والفساد أو ربما هي إحدى الحالات النادرة التي تولد فيه الثورة في سن الشيخوخة، كما في فيلم براد بيت "الحالة المحيرة لبنجامين بوتن". يروي الفيلم قصة بنجامين الذي ولد شيخا وكان يصغر أكثر كلما تقدم في السن.

صحيح، لم تشهد الشعوب العربية لحظة انحطاط تاريخي مثل اللحظة التي نعيشها اليوم، وعندما اندلعت الثورات العربية قبل 9 سنوات تمسكنا بها مثلما يتمسك الغريق بأي أمل تقذفه الأمواج أمامه، وقد راودنا الأمل مرة أخرى بعدما اعتقدنا لزمن أن هذا الوطن لن تصلح حاله أو يرتقي لأمجاد العصر الذهبي للحضارة العربية الاسلامية. قد ينظر أحدنا إلى الحال التي أصبحت عليها هذه الأوطان من المحيط إلى الخليج من انقسامات وحروب وتطبيع، فيعتقد لوهلة أنها نهاية التاريخ وأننا لن نشهد أبدا قيام حضارة كالتي عرفناها في الماضي. صحيح أن ما تشهده هذه الأوطان لم نشهد مثله منذ قرون، لكن ذلك لا يعني أن ما نعيشه اليوم هو أسوأ ما مرت به، بغداد التي سقطت في يد الأمريكيين منذ سنوات، سقطت قبل قرون على يد المغول، ودمشق التي صارت خرابا عرفت همجية المغول قبل ذلك، وليست وحدها، فالقاهرة كانت شاهدة أيضا على أبشع الحملات الصليبية، ثم رحلوا جميعا، وتجددت هذه المدن من مرة أخرى.

إن هذه الشعوب على قلب وطن واحد، مكة عاصمته الروحية، بغداد عاصمته السياسية، القاهرة عاصمته الثقافية، ودمشق عاصمته الاقتصادية. إن هذه المدن تمتلك شرعية تاريخية، تفتقدها دوحة قطر ودبي الإمارات واسطنبول تركيا، ولذلك فإن كل محاولات الإصلاح الديني والثقافي والسياسي والاقتصادي التي تمر عبر هذه المدن أو غيرها، يجب ألا تدوم أكثر من الوقت الذي تحتاجه مكة وبغداد والقاهرة ودمشق للنهوض من كبوتها، والأهم من ذلك يجب أن يكون الهدف منها مساعدة عواصم العالم العربي على استعادة دورها الطبيعي. ولذلك فإن أضخم مشروع لا زلنا نتلمس الطريق إليه منذ قرون هو مشروع بناء الإنسان العربي الذي يشعر بالانتماء للغته وثقافته وتاريخه. سبعون عاما منذ آخر معركة خضناها، ولا زلنا عاجزين عن وضع الأصبع على موطن الداء في مجتمعنا العربي أو حتى تحديد ملامح الإنسان الذي سيقود مشروع النهضة العربية الشاملة، رغم المحاولات المتكررة لبعض المصلحين والمفكرين الذين ظهروا خلال القرنين الماضيين.

المصدر: وكالات