الثلاثاء 26 مارس 2019 07:27 ص

لماذا تأخرت اللغة العربية وتقدم غيرها؟

الأحد 17 مارس 2019 11:40 ص بتوقيت القدس المحتلة

لماذا تأخرت اللغة العربية وتقدم غيرها؟
أرسل إلى صديق

خالد النقيب

ماذا تأخرت اللغة العربية وتقدم غيرها؟ سؤال وجب علينا الوقوف عنده، ثم نتفكر ما الذي أدى لإحداث المشكلة؟ فإن أردنا في ذلك إصلاحاً طرحنا جملة من الأسئلة نبلغ فيها أسباب هذه المعضلة، وقديماً قالوا إنما دواء العي السؤال، وما السؤال إلا دليل على استشعار الحدث ورغبة في فهمه، ثم نشرع في التشخيص بغية الوصول إلى الحلول، ومن هنا كان التشخيص أبو العلوم. وعلى ضوء ما سبق سألنا سؤالنا آنف الذِّكر وبحثنا عن الأسباب فما وجدنا إلا قصراً في الأفهام وتقاعساً عن العمل؛ ومتى اجتمع الجهل والكسل كانت النتيجة حتمية في التأخر والتخلف.

لقد أكرم الله هذه اللغة بالقرآن؛ فرفع من شأنها وآثرها الله على غيرها من اللغات، ففهم البعض هذا الأمر على غير مراده، فجعل اللغة كلها في القرآن فرفع منزلة القرآن وحط من منزلة اللغة بغير دراية، وإنما جُعِل القرآن بلسان عربي؛ لأن اللغة العربية أصل الفصاحة وتزخر بالأساليب والمفردات وتحقق مراد القرآن في الإعجاز، والقرآن ما هو إلا جزء من العربية مع إقدار القرآن الكريم حقه؛ فهو أعظم وأجود ما في اللغة العربية إلا أنه جزء منها، والتفضيل والتجزيء قد يجتمعان في غير ما تعارض وهذا مَثَل القرآن في العربية، وإن الله عندما أتم الدين والقرآن لم يدخل في مدلول ذلك إتمام اللغة أيضاً وإنما أبرز أعظم ما في اللغة بالقرآن.

لقد وُجد هذا المفهوم وترسخ في العقول نظراً لاقتران اللغة بالقرآن والقرآن باللغة، فجعل البعض الزيادة في اللغة كالزيادة في القرآن! وهذا قياس غير صحيح؛ لأن القرآن والدين هو تشريع من عند الله واللغة هي من وَضْع الناس قابلة للتجديد والتطوير، والله إذ أنزل القرآن باللغة جعلها وسيلةً ليفهمها الناس بمستوى عقولهم، وهذا يظهر زيف قول المدعين في حرمة اختلاق ألفاظ جديدة في اللغة، وهذا ضرب من ضروب قصر الأفهام.

وعلاوةً على ذلك فإن القرآن قد استعمل ألفاظاً أعجمية كإستبرق، فهذا يُعد دليلاً واضحاً على أن التلاقح بين اللغات أمر مقرر في العربية. ولكن قد يقول قائل بأن اللغة تحتوي على مفردات وألفاظ كثيرة لا تحتويها لغة أخرى (وهذا مما لا شك فيه) فلماذا إذن نضيف عليها الألفاظ؟ ولكن المشكلة هنا تكمن في تعدد المفردات لذات شيء واحد؛ فالأسد مثلاً له من الألفاظ الكثير (كليث وورد وضرغام وغيرها) إلا أنها تدل جميعاً على نفس الشيء وهو الأسد هنا، في حين تنعقد ألسنتنا عن إيجاد مفردة واحدة لكلمة إفرنجية في بعض الأحيان، وهذا ليس ضعفاً في اللغة (حاشاها) وإنما ضعف فيمن ينطق بهذه اللغة دون أن يعيَ كنوزها الدفينة! وهنا نرى بأن إثراء اللغة واجب وحرمة إثرائها باطل.

تتطور العلوم وتتجدد المصطلحات وما زلنا متأخرين في الالتحاق بالرَّكْب، ويرجع ذلك إلى شح من يشتغل باللغة؛ فالزيادة في أغلبها تكون في صالح التخصصات العلمية؛ كالطب والهندسة فترى زيادة مطردة في أعدادهم وشحاً لا نظير له في اللغة، ولا تكاد تسمع عن اثنين أو ثلاثة ممن يشتغلون باللغة إلا في عقد أو عقدين من الزمان (على قلةٍ من صنيعهم)، بل وأصبح ظهورهم نادراً فانعدم النوع والكم! وكيف بك إذا أبصرت منظومة التعليم كيف يتدارسون اللغة العربية، فهي كاللغة الأعجمية في نظامهم، يبقى الدارس فيها لا يميز بين الفعل والفاعل حتى يكبر، فإذا كبر انصرف إلى مهنة تدر له المال متناسياً حق اللغة عليه (وحق اللغة عليه دراستها وتعلمها في وجهها الصحيح والذب والدفاع عنها)، فيكون بذلك أمياً بها في صغره وكبره، اللهم إلا بعض قراءة الصحف (رديئة اللغة) التي ينكب على قراءتها في أوقات فراغه! والعجب كل العجب من قول من يريد جعل اللغة العربية رائدة في العلم والعالم وهو لا يعطيها حقها؛ ففاقد الشيء لا يعطيه، ثم كيف نستطيع جعلها لغة رائدة في العلم والعالم ونحن عاجزون عن إثرائها ولا تزال محتفظة بكلام الأولين فقط بسبب تقاعسنا وعدم جِدنا في العمل؟

إن أهم سبب من أسباب تأخر لغتنا هو بسبب تأخرنا نحن، فالغربي عندما يكتشف الجديد من العلم يضع اكتشافه باسمٍ من لغته، فيجبر باقي اللغات على أخذه كما هو أو تحويل هذا المصطلح إلى مصطلح قريب في لغة الناقل؛ فكما أن المنتصر يكتب التاريخ فهو أيضاً يستحوذ على المجد والثقافة والعلم وعلى المغلوب قَبول ذلك، بل يتعدى لتقليد الغالب فيفتتن به. فلو أننا كنا السبّاقين إلى العلوم لوضعنا الأسماء كما نريدها نحن لا هم، وانظر معي إلى علم الفلك الذي اشتهر به العرب قديماً، فلا تزال كثير من المصطلحات عربية في هذا العلم حتى في لفظ اللغات الأخرى، أخذت كلماتنا وجعلتها في كلامهم، وهكذا سنكون في سائر العلوم إن عدنا إلى سيرتنا الأولى. وإنني أرجو ما أرجوه أن نعمل حقاً بخطوات ثابتة وواسعة نحو تحقيق الهدف المنشود، وما هذا الكلام إلا بحث في أسباب تأخر اللغة يعتريه نقص العمل.

وأخيراً، قد يسأل سائل ما أهمية تطوير لغتنا ما دامت محكيةً على ألسن الملايين ومحفوظة من الاندثار؟ أليس القرآن موجوداً فيها والقرآن محفوظ؟ إذن فلماذا كل هذا الخوف والذعر؟ ولكن السائل هنا قد نسيَ وأساء بهذا السؤال بأن ذلك يوجب علينا أن نهتم أكثر في لغتنا لا أن نهملها؛ فإكرام اللغة العربية هو إكرام وتبجيل للقرآن الكريم (اللسان الذي نزل به)، ولا يعني أنها محكية على الألسن أنها في مأمن، فإن كلامنا المحكي ما هو إلا جزء يسير من لغة عظيمة لا يتعدى نسبة الكوكب إلى المجرة فنقع هنا في حيّز الاندثار الجزئي للغة، وعلينا أن نعيَ بأن قوة الأمم تقاس بانتشار لغتها وثقافتها، فكيف بنا إذا أهملنا لغتنا؟

المصدر: وكالات