الخميس 25 أبريل 2019 11:38 م

محميّة إشكل في تونس.. مهد عالمي للطبيعة والتاريخ

الأحد 17 مارس 2019 11:59 م بتوقيت القدس المحتلة

محميّة إشكل في تونس.. مهد عالمي للطبيعة والتاريخ
أرسل إلى صديق

لا يزال صوت سنابك خيول أمراء الدّولة الحفصية يتردد في سماء محمية إشكل الطبيعية، ولا تزال أيضا خطوات طوابير جنود الرومان وأصوات التجار الفينيقيين تكسر الصمت الذي لف المكان لتحدث زائريه عن آلاف السنين من التاريخ والجمال.

محميّة إشكل الطبيعية غرب محافظة بنزرت شمالي تونس كنز بيئي وتاريخي مزدوج المعالم، يتربّع على مساحة تقدر بـ126 كيلومترا مربعا، احتكرت فيها بحيرة أكثر من نصف مساحتها، لتشكل وحدة فريدة من نوعها في تونس وشمال أفريقيا بحكم طبيعتها الجيولوجية وثروتها الحيوانية والنباتية.

تاريخ وأسرار وطرائف

استقطبت الكهوف والمغارات ومنابع المياه المعدنية الموجودة في محمية إشكل إنسان ما قبل التاريخ، كما شكّلت البحيرة والجبل المرتفع عن سطح البحر 511 مترا عامل جذب للرومان والفينيقيين الذين تركوا خلفهم آثارا تدل على استيطانهم المكان آلاف السنين.

يذكر أن الدولة التونسية ممثلة في مختلف أجهزتها المختصة منذ استقلال البلاد إلى الوقت الحاضر، كانت قد أعلنت العثور على أضرحة وقبور وأواني فخارية وآثار تعود لإنسان ما قبل التاريخ، كما عثر في "عين الراقدة" على ما يرجح أنها بقايا حيوان الماموث الذي يعود إلى ملايين السنين.

في عهد الدولة الحفصية التي حكمت تونس ما بين سنة 1229 و1574 للميلاد، اتخذت محمية إشكل ميدانا مخصصا لممارسة الصيد احتكره الأمراء في تلك الفترة، تلاها احتكار "البايات" الحسينيين لها وخاصة في عهد الصادق باي الذي عيّن شخصا برتبة "قايد" (رتبة عسكرية) للإشراف على حراسة المحميّة والجاموس.

لجاموس إشكل حكاية طريفة بعض الشيء، فهو عبارة عن هدية من إحدى أميرات صقلية لمحمد الصادق باي، لم تذكر كتب التاريخ سر هذه العلاقة، لكن القيمة المعنوية لهذه الهدية دفعت الباي في تلك الفترة إلى إطلاقه في المحمية وتعيين حراسة عسكرية مشدّدة عليه، حتى على حساب الساكنين، ليطلق عليه تسمية "جاموس الباي" كتحذير من المساس به.

لكن مع تدهور الأوضاع المعيشية للتونسيين في الفترة الفاصلة بين الحماية الفرنسية وسنة 1957، انهارت أسوار الخوف من الباي وحرّاس الجاموس وأصبح هدفا للصيد، إذ يبلغ وزن ذكر الجاموس الأسود طنا من اللحم يغري بطون الجوعى الذين داستهم أقدام المستعمر.

كاد هذا الوضع الاجتماعي الصعب الذي عاشه التونسيون أن يتسبب في انقراض الجاموس، فلم يبق منه سنة 1960 سوى ثلاث رؤوس. ونجحت الإدارة العامة للغابات التونسية في إعادة تكوين قطيع الجاموس عبر اتخاذ جملة من التدابير العاجلة والردعية للإبقاء عليه.

ظاهرة بيئية فريدة

أهدت الطبيعة وتضاريس محافظة بنزرت بحيرة إشكل موقعا فريدا للغاية جعل منها ظاهرة بيئية مميزة، إذ تمثل مساحة البحيرة ملتقى لستة أودية وستة أنواع رئيسية من المياه العذبة المتأتية من وادي دويميس ووادي سجنان ووادي الملاح ووادي غزالة ووادي جومين ثم وادي تينجة، مما يتسبب في ارتفاع نسبة الماء العذب في البحيرة في فصل الشتاء.

أما في فصل الصيف فإن انخفاض منسوب مياه الأودية الستة التي تزود البحيرة بالماء العذب يفسح المجال لدخول مياه البحر المتوسّط، لترتفع بذلك نسبة ملوحة المياه مؤذنة بمرحلة جديدة للحياة البرية والحيوانية على ضفافها.

إشكل الوحيدة في العالم

وساهم وجود منظومتين بيئيتين رئيسيتين هما: المنظومة البيئية الرطبة والمنظومة الجبلية، في إضفاء طابع متميز لمحمية إشكل وطنيا ومتوسطيا وعالميا، وجعلها الموقع الوحيد في العالم الذي تشمله ثلاث اتفاقيات دولية لحماية الطبيعة.

لذلك وقع ترسيمها سنة 1979 على قائمة التراث العالمي الطبيعي من قبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم الذي صادقت عليه 189 دولة سنة 1972، بهدف تصنيف المواقع ذات الأهمية للجنس البشري وتسميتها والحفاظ عليها، لتحصل المواقع المدرجة في القائمة على مساعدات مالية لضمان استمرارية حمايتها.

ثم في سنة 1980، وقع ترسيمها بقائمة "رامسار" العالمية للمناطق الرطبة، وهي معاهدة دولية للحفاظ والاستخدام المستدام للمناطق الرطبة، ومن أجل وقف نزيف فقدان المخزون الإيكولوجي الذي توفره الأراضي الرطبة في العالم.

وأخيرا إدراجها ضمن برنامج اليونسكو للإنسان والمحيط الحيوي الذي يهدف إلى حماية الأنظمة البيئية "المتميزة" والتوعية بأهميتها وضرورة المحافظة عليها.

ثروة علمية تنتظر الاهتمام

محمية إشكل ثروة تاريخية وطبيعية كان من الممكن استثمارها في تنمية القرى والأحياء والمدن المحيطة بها، عن طريق الدفع بوسائل وبرامج السياحة الإيكولوجية في محيطها والمنعدمة تماما في الوقت الحالي.

إضافة إلى تكوين شباب من المنطقة مهمتهم مرافقة الزوار مرافقة حرفية تجعلهم يستفيدون من الكم الهائل للمعلومات الذي توفره المحمية، دون أن نغفل ذكر المتحف الجيولوجي الموصدة أبوابه، دون أن ننسى ثروة المياه المعدنية الحارة التي تفتقد للاهتمام والتطوير.

المصدر: الجزيرة نت