الأحد 21 يوليو 2019 10:00 م

الأنفاس جواهر.. كيف تخطط لوقتك؟

الإثنين 18 مارس 2019 11:20 ص بتوقيت القدس المحتلة

الأنفاس جواهر.. كيف تخطط لوقتك؟
أرسل إلى صديق

أحمد جلال

كنت أستمع لشرح الحكم العطائية فجالت في خاطري جملة كنت أسمعها منذ وأنا صغير، وهي (الأنفاس جواهر)، فأحببت أن أقرأ السياق الذي قيلت فيه خصوصاً أن ابن عطاء الله السكندري، أجرى الله الحكمة على لسانه جريان الكلام على لسان العوام، وبعد بحث وجدتها في كتابه - رحمه الله - (تاج العروس الحاوي لتهذيب النفوس) ص50 ، حيث قال - رحمه الله - : (لا تنفق أنفاسك في غير طاعة الله، ولا تنظر إلى صغر النفس بل انظر إلى مقداره، وإلى ما يعطي الله فيه للعبد، فالأنفاس جواهر ، وهل رأيت أحداً يرمي جوهرة على مزبلة؟!)، فما أن قرأتها حتى جاشت في نفسي معانٍ وسبحت أمامي أفكار، أحببت أن أسجلها لا لأنظر عليك - عزيزي القارئ -  ولكن من باب (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) (سورة الذاريات، 55 ) وأسأل الله أن يجعلني أول المنتفعين بالخير والذكر المبين.

نبهنا – صلى الله عليه وسلم – لأهمية الوقت، فقال: (نعمتان مَغبون فيهما كثيرٌ من الناس، الصحة والفراغ) رواه البخاري، فكأن النبي – صلى الله عليه وسلم جعل الصحة والفراغ رأس مالٍ يُغبن فيه من لم يستثمره بالصورة المثلى، حيث أن لفظ الغُبن يستخدم أكثر ما يستخدم في البيع، فوجب علينا أن ننتبه لأوقاتنا فيما تصرف وأعمارنا فيما تفنى، وأن نضع نصب أعيننا أننا خلقنا للعبادة، قال – سبحانه وتعالى - : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (سورة الذاريات، 56 )، والعبادة كما عرفها العلماء هي : صرف العمل لله مع استحضار النية، فاستثمر كل أفعالك وهمساتك وخلجاتك في طاعة الله، كيف أستثمر في الطاعة ما يخالجني يعني ينازعني الفكر؟! يكون ذلك بأن تستغفر وتذكر الله بعده إن كان خيراً وتفزع إلى الله منه إن كان شراً.

وقد أورد الأستاذ سلمان عبدالفتاح أبوغدة في حاشيته على كتاب أبيه (قيمة الزمن عند العلماء) ص37 : ( وجاء في (كشف الخفاء) للعجلوني ( 2: 318 ) : ( وكان الحسن البصري يقول: ابنَ آدم! نعمتان عظيمتان، المغبون فيهما كثير: الصحة والفراغ، فمهلًا مهلًا، الثِوَاءُ هنا قليل (أي: المقام هنا في الدنيا قليل) أخرجه ابن عساكر وقال: الصحة عند بعضهم الشباب، قال: والعرب تجعل مكان الصحة الشباب، كما قالوا: بالقلب الفارغ والشباب المُقبِل تُكسب الآثام، وكان يُقال: إن لم يكن الشغل محمدة كان الفراغ مفسدة، ولا تفرغ قلبك من فكر ولا ولدك من تأديب، ولا عبدك من مصلحة، فإن القلب الفارغ يبحث عن السوء، واليد الفارغة تنازع إلى الآثام، وقال يحيى بن معاذ الرازي: المغبون من عطل أيامه بالبِطَالات، وسلط جوارحه على الهَلَكَات، ومات قبل إفاقته من الجنايات.) انتهى.

ويكفي تدليلًا على أهمية الوقت أنه أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، فقد روى الإمام الترمذي أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال ( لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن عمله فيما فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه)، فالحذر الحذر من ضياع العمر، نعوذ بالله من أن نقف موقف المؤنبين في قوله تعالى: (أوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ۖ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِير)  (سورة فاطر، 37)، هكذا كان الرد على أهل النار بعد استجدائهم العودة إلى الدنيا لعمل الصالحات فاللهم اقبضنا على الإيمان غير فاتنين ولا مفتونين.

ومادام الوقت غالياً لهذه الدرجة فلابد من التخطيط له على أحسن ما يكون، وبداية التخطيط لذلك أن تكتشف نفسك، الأوقات التي تكون فيها أكثر نشاطاً، متى تكون إنتاجيتك كبيرة؟ في فترة الصباح أم في فترة المساء، فقد أورد الشيخ عبد الفتاح أبوغدة في كتابه الماتع (قيمة الزمن عند العلماء) ص60 تحت عنوان ( تجزئة الإمام الشافعي الليل أثلاثاً) : (روى القاضي عياض في ( الإلماع إلى أصول الرواية وتقييد السماع) بسنده إلى الربيع بن سليمان المُرَادي تلميذ الإمام الشافعي، أن الشافعي كان يجزء الليل ثلاثة أجزاء: الثلث الأول يكتب، والثاني يصلي، والثالث ينام)، هذا كان حال الشافعي – سحائب الرحمات عليه - ، نعود إلى تخطيط يومك، ثم تضع خطتك لليوم قبل أن يبدأ، لتسجل على هاتفك مثلًا أبرز الواجبات في يومك وتضبط المنبه قبل المواعيد الهامة بوقت كافٍ.

عليك وأنت تضع خطتك ألا تنسى تحديد أوقات النوم والراحة بما يناسب عمرك وحالتك الصحية (إن لجسدك عليك حقاً)، ومن المهم أن تستلهم من خطتك اليومية، مساراً لخطتك بعيدة المدى، وقد قسم العلماء الخطط إلى خطة قصيرة المدى وهي التي تغطي سنة، وخطة متوسطة المدى وهي التي تغطي ثلاث سنوات، وخطة طويلة المدى وهي التي تغطي من خمس إلى عشر سنوات، وقد أعجبني للغاية كتاب (فنجان من التخطيط) والذي تناول عملية التخطيط الشخصي بصورة شيقة وكأنها رحلة تمر فيها بمحطات كما وصفها الكاتب الأستاذ عبدالله العتيبي، تتزود في كل محطة لتنتقل إلى المحطة التالية لتصعد بك درجات في سلم تطوير الذات، وقد جعلها سبع محطات أساسية:

المحطة الأولى: الاستعداد

بين الكاتب أن نقطة الانطلاق تبدأ من رحلة داخل ذاتك، تكتشف فيها نمطك الشخصي من وجهة نظرك ومن وجهة نظر محيطك ثم تبدأ في تقييم ذاتك من خلال المقارنة بين ما ترغب فيه وما أنت عليه، لتنتقل بعد ذلك إلى تقويم الذات وهي المرحلة التي تغير فيها من مهاراتك وسلوكياتك إلى الأفضل، وعندها يمكنك أن تنتقل إلى المرحلة التالية وهي تقدير الذات، حيث تشعر بالثقة في المسار الذي اخترته، ليمكنك ذلك من الانطلاق إلى المحطة التالية.

المحطة الثانية: البواعث

وفي هذه المحطة تكتشف منظومتك القيمية وتتعرف على المبادئ التي تحدد اتجاهاتك في هذه الحياة.

المحطة الثالثة: المسارات

وفي هذه المحطة تتعرف على مساراتك في الحياة وتقيم كل مسار، فهناك مسارك الوظيفي، ومسارك الاجتماعي، وأدوارك التي تمارسها في الحياة، أب، زوج، صديق.

المحطة الرابعة: الوجهة

فعليك أن تختار وجهة عامة وأخرى خاصة ويكون ذلك عبر تحديد الرسالة والرؤية، وتحديدهما يسهل تحديد سلم الأولويات في الحياة.

المحطة الخامسة: الانطلاق

وهذه المحطة تشتمل على أربع خطوات رئيسية وهي:

- تحديد الإنجازات.

- تحديد الإخفاقات.

- تحديد وضعك الداخلي.

- تحديد وضعك الخارجي.

المحطة السادسة: السعي

وهنا ينبغي أن تعلم أن العمل المتواصل هو السبيل الوحيد لتحقيق أهدافك، فاعمل ثم اعمل ثم اعمل، لا يهم كم عمرك؟ ابدأ من حيث أنت، فأن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي.

المحطة السابعة: الارتقاء

فكما قال الكاتب: (على الشخص تحديد علامات في حياته يعرف من خلالها، أنه وصل لما يصبوا إليه، ومتابعة الإنجاز للخطة المكتوبة، والتأكد من تحقق كل هدف بالجودة المطلوبة وفي الزمن المحدد وبالتكلفة المقدرة، من أهم علامات الوصول للهدف المرسوم مسبقاً)

انتهت المحطات السبع، وأرجو من الله أن يكون لها بالغ الأثر في حياتنا، فهي بصدق من أجمل ما قرأت في التخطيط، وأختم مقالي هذا بحديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذي رواه الحاكم في المستدرك في كتاب الرقاق عن ابن عباس – رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لرجل وهو يعظه: (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هَرِمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك).

المصدر: وكالات