الأحد 21 يوليو 2019 10:02 م

الربيع العربي.. لماذا يُعْتَبَرُ تأييده واجبًا أخلاقيًا لازمًا؟

الإثنين 18 مارس 2019 11:40 ص بتوقيت القدس المحتلة

الربيع العربي.. لماذا يُعْتَبَرُ تأييده واجبًا أخلاقيًا لازمًا؟
أرسل إلى صديق

بلال رامز بكري

حين كانت البلدان العربية تحاول أن تستشرف آفاق المستقبل بعد أن بلغ طغاتها من الكبر عتيًا، وبعد أن أُعْدِمَ الرئيس العراقي صدّام حسين في مشهدٍ فيه ما فيه من الفجائعية والمهزلة التاريخية، على ما ينطوي عليه ظهوره أمام الشاشات بشجاعة ورباطة جأش عزّ نظيرهما وكادا يمحيان ما لطّخ سيرته من طغيان، وكأنهما جاءا ليغسلا خطاياه وليجعلا منه بطلًا وشهيدًا، بعد كلّ هذا ببضعة أعوام اجتاح إعصار شديد بلدان العرب في المغرب والمشرق مرورًا بمصر "أم الدنيا"، مركز الثقل في العالمين العربي والإسلامي. وقد تعورف على تسمية هذا الإعصار، في كل أنحاء العالم، بالربيع العربي.

أتى الربيع العربي دون أن يتوقع معظم المطلعين والخبراء قدومه العاصف والمزلزل. وهو إن لم ينجح بعد في الوصول إلى غاياته النهائية في الإطاحة بالأنظمة الاستبدادية الفاسدة وإحلال أنظمة ديمقراطية عادلة ونزيهة محلها، فإنه قد أحدث من التغييرات الجذرية والهزّات العنيفة ما جعل من رجوع عقارب الساعة إلى الوراء أمرًا مستحيلًا. وأكثر من هذا، إنه سمح للشعوب العربية، من المحيط إلى الخليج، بأن تحلم لأول مرة منذ قرون طويلة بأن تحكمها أنظمة تسودها الحرية وتحترم فيها قيم العدالة والحق والنزاهة.

سالت الدماء غزيرة في ربيع لم يزهر بعد، فقد قمعت الأنظمة بوحشية ضارية مواطنيها، وقد بلغ الإجرام مداه في سوريا، التي لم يكتفِ نظامها بآلته العسكرية، وإنما استدعى قوات خارجية روسية وإيرانية بالإضافة إلى ميليشيات طائفية من لبنان والعراق. وأمام مشهد الدم الذي يضاف إليه صمود الأنظمة وثورتها المضادة، أخذت الكثير من الحناجر والأقلام تنعي الربيع العربي وتعلن فشله الذريع، زاعمة أن هذه الحركة الثورية التي اجتاحت دنيا العروبة لم تكن إلا تخريبًا في تخريب وعبثًا في عبث.

والملفت، منذ بداية الربيع العربي، موقف الكثير من النخب على امتداد بلدانه وفي البلدان العربية الأخرى التي ظلت بمنأى عنه. فالتيارات اليسارية والقومية والناصرية والاشتراكية والشيوعية اتّخذت بمعظمها موقفًا معاديًا للربيع العربي، وراحت تصبّ جام غضبها عليه وتنحي باللائمة على الشباب الثائر الذي جاد بأرواحه في سبيل ما يؤمن به من قضية. هذه التيارات بمعظمها وقفت إلى جانب الأنظمة الاستبدادية وأيّدت الثورة المضادة بقمعها الوحشي وبإجرامها الشديد.

وهنا نودّ أن نطرح سؤالًا يفرض نفسه في هذه المرحلة الدقيقة بعد اقتراب الربيع العربي من إتمام عامه العاشر: هل فشل هذا الربيع؟ في الواقع، وخلافًا لما يبشّر به الكثير من فطاحل المحللين وجهابذة المفكّرين، إننا نجزم، بما لا يدع مجالًا للشكّ، أن الربيع العربي قد نجح نجاحًا باهرًا بمجرّد انطلاقه، وهذا رغم كل الأرواح التي أُزْهِقَتْ، ورغم كل الخسائر المادية والمعنوية، ورغم كل الدمار الهائل الذي أحدثه هذا الزلزال التاريخي. ونقول للمبشرين بفشل الربيع العربي: إنكم تخذلون هذه الحركة المجيدة بحناجركم وأقلامكم، وكم كان حريًّا بكم أن تحتفظوا بآرائكم لأنفسكم. فأنتم إما جاهلون أو متخاذلون، وكلا الفريقين لا خير يُرتَجى منه. ورَكبُ الربيع سائر إلى مبتغاه، وسوف يصل إلى هدفه لو مهما عظمت التضحيات واشتدّت الآلام.

الأمر الآخر الذي نودّ أن نشير إليه هو دور النُّخب في هذا الربيع. إننا نقول، بكثير من الأسف والأسى، أن ما من نخبة خذلت أمّتها، في كل الأزمنة وفي كل الأمكنة، كما خذلت النخب العربية أمّتها. فإن كان الربيع العربي قد نجح بمجرد انطلاقه، فإن النخب العربية قد أثبتت فشلها الذريع منذ أول لحظة، فبان وهنها الشديد البالغ حدّ العجز، وظهر الانفصام المريع بين الخطاب النخبوي العربي وممارسته على أرض الواقع، فتقهقرت هذه النخب تقهقرًا ما بعده تقهقر. على أن هذا الأمر لم يفقدها صلافتها وعجرفتها وغطرستها، فلا يزال أعضاؤها يظنون أنفسهم أولي الحل والربط وأهل الرأي الذي لا يُرَدّ والنظرة التي لا تناقَش والمعرفة العميقة. ولعمري إن القوم يهرفون بما لا يعرفون، ويدارون عار سقوطهم بالهروب إلى الأمام.

وسوف يخلّد التاريخ الربيع العربي كواحدة من أعظم الثورات في تاريخ البشرية قاطبة، وسوف تحتل المكانة التي تستحقها في سيرورة بني الإنسان، وسوف يُشار إليها بالإكبار والإجلال، نظرًا لما أحدثته من تغييرات عميقة وللتضحيات الجسام التي بذلتها شعوبها. ولهذه الأسباب مجتمعة ولما ذكرنا آنفًا في هذه السطور، يصبح تأييد هذه الحركة التاريخية واجبًا أخلاقيًا لازمًا على كل إنسان واعٍ ومسؤول، بصرف النظر عن انتمائه العقائدي.

أما هؤلاء الذين طعنوا في الربيع العربي وشككوا في نواياه وأهدافه، فانحازوا إلى أنظمة الإجرام والقمع والاستبداد، فإنهم بموقفهم هذا قد أثبتوا سقوطهم الأخلاقي وخيانتهم للواجب الذي يمليه العقل فضلًا عن الضمير. فهل توجد خيانة أكبر من الاستهانة بدماء الشهداء وبتضحيات الشعوب في توقها نحو العدالة والحق والنزاهة؟

والربيع العربي لا يجوز أن يعتبر حركة منحصرة بمنطقة معيّنة من العالم، فتأثيره يتجاوز العرب إلى نطاق البشرية الأرحب. فالأنظمة الاستبدادية تحظى بتأييد واسع من الدول الكبرى التي يحقق لها الاستبداد مصالحها في نهب الشعوب المستضعَفة في دنيا العرب، كما في غيرها من المناطق. ولهذا لم يكن غريبًا التأييد اللامحدود التي أظهرته الدول الكبرى لأنظمة الطغيان العربية، كما الدعم المادي والعسكري والإعلامي، في تناقض صارخ مع ما يُنادون به في المحافل الدولية من ديمقراطية وعدالة وحقوق إنسان.

لذلك فإن تأييد الربيع العربي، واتخاذ موقف مناصر له، وإن ضمنيًا دون الإشهار، يعتبر واجبًا من أكثر الواجبات الأخلاقية إلحاحًا في زمننا هذا. إنه انحياز للإنسانية بمداها الأرحب، وللشعوب ضد ناهبيها ومذّليها ومهيني كرامتها، وللفقراء والبائسين ضد جشع الرأسمال الذي لا يرحم. والنخب التي لا تضطلع بالدور الذي يمليه عليها الواجب والعقل والضمير سوف تذهب إلى غياهب النسيان والإهمال.

المصدر: وكالات