الثلاثاء 23 أبريل 2019 05:53 ص

سلطة رام الله.. إلى أين؟

الأربعاء 20 مارس 2019 08:04 ص بتوقيت القدس المحتلة

سلطة رام الله.. إلى أين؟
أرسل إلى صديق

حازم عياد

تسارع حراك السلطة في رام الله تجاه قطاع غزة بعد اقالة رامي الحمد الله وتعيين محمد اشتيه كرئيس للوزراء؛ اذ لم تكتف السلطة بوقف الرواتب المستحقة لعدد كبير من الموظفين في القطاع مفاقمة معاناتهم الاقتصادية بل سارعت الى التحرك ميدانيا واعلاميا في قطاع غزة بهدف تأزيم وارباك المشهد الداخلي في القطاع بلغ حد توظيف المعاناة الناجمة عن الحصار والاحتلال.

تجلت تلك السياسة بإعلان قياداتها دعمها التظاهرات تحت عناوين احدها استعادة السيطرة على القطاع؛ فالموارد المخصصة والاجراءات المالية والعقوبات الاقتصادية عادت لتترجم على شكل تحرك ميداني على الارض بعد ان فشلت الكثير من المحاولات.

ورغم الصخب المتولد عن هذه السياسة الا ان السلطة في رام الله تتجه الى المجهول؛ اذ تعيش في فقاعة قاطعة صلتها بالواقع المحيط بها؛ واقع أخذ في التدهور خصوصا بعد الازمات المتتابعة التي تعرض لها المسجد الاقصى وبعد التراشق الخطر الذي ارتبط بشراء المستوطنين للأراضي والعقارات في القدس بشكل رفع حدة الاحتقان السياسي الذي اتخذ بعدا اجتماعيا عمق عزلة السلطة ورموزها على الصعيد الاجتماعي ودفعها للتقوقع والانحسار في فقاعة صغيرة منقطعة الصلة عن الواقع الاجتماعي.

عزلة مهددة بالتفاقم على خلفية الاستهداف المباشر لقطاع غزة، والاهم من ذلك على خلفية التوسع المضطرد للحاضنة الاجتماعية التي توفر الملاذ للمقاومين في الضفة الغربية؛ حاضنة تطورت علاقتها بالسلطة عبر تشديد العزلة الاجتماعية التي تعانيها السلطة في الضفة الغربية؛ عزلة تجاهلتها بالاحتماء بفقاعه شفافة وضعيفة.

فالازمة الاجتماعية الآخذة في التخلق تحمل أبعادا استراتيجية اعمق بكثير من الحراك الذي تدعمه السلطة رام الله في قطاع غزة؛ إذ تعكس حالة احتقان كامنة وخطيرة تعكسها العزلة الاجتماعية والتوتر التي يعبر عنه بين الفينة والاخرى بمؤشرات اجتماعية آخذة في التراكم، ولعل تأزيم السلطة في رام الله يعد احد الابواب الجديدة لتعميق الازمة وتلك العزلة؛ فالهروب من الواقع يقود الى مزيد من التفاقم في ازمة السلطة ويضع المزيد من الاسئلة عن مستقبلها.

النزعة التصعيدية الجديدة للسلطة الفلسطينية في رام الله تخفي هواجس مستقبلية تتعلق بمستقبلها في ظل التوجهات الامريكية والاسرائيلية الجديدة وفي ظل حالة الشيخوخة والهرم التي تعاني منها، وفي ظل فقدان الفاعلية السياسية والاقتصادية لتطلق العنان لحملات اعلامية تسعى من خلالها الهروب من الاستحقاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتخلقة على وقع التعثر الكبير في برنامج السلطة وشعبيتها والمرتبط بأدائها ومستقبلها السياسي.

فالحقائق على الارض في القدس والضفة وممارسات الاحتلال وعمليات الاغتيال والتصفية والاعتقال للمواطنين الفلسطيني على الحواجز وهدم البيوت ومصادرة الاراضي والتوتر المرافق للانتخابات الصهيونية وصعود اليمين المتطرف تعجز السلطة عن مواجهتها ببرنامجها التقليدي التفاوضي العدمي اضيف اليه ملف تشديد العقوبات على قطاع غزة؛ حقائق قابلتها عمليات فدائية ومسير بحري ومسيرات عودة تشكل حقائق صلبة ترسم معالم المرحلة التي لا تستطيع السلطة في رام الله مواجهتها او التأثير فيها ايجابا، بل تسعى للهروب منها بصخب المواجهة مع خصومها في قطاع غزة في محاولة لتوسيع دائرة نشاطها واجندته المختنقة في الضفة بفعل الممارسات الاسرائيلية التي انعكست على واقعها الاجتماعي وقدرتها على النفاذ المجتمعي.

النزعة التصعيدية للسلطة الفلسطينية في رام الله لن تتمكن من اخفاء الحقائق الصلبة على الارض؛ اذ لا زالت هذه الحقائق شاهدة على واقع السلطة وازمتها فحكومة «محمد اشتية» لم تحظ بإجماع وطني او مشاركة واسعة في تركيبتها؛ وقرار حل المجلس التشريعي لا يحظى بغطاء دستوري، كما ان اعادة تجديد حيوية السلطة عبر انتخابات رئاسية او تشريعية مستحيل في ظل الانقسام والتصعيد السياسي والميداني للسلطة تجاه قطاع غزة والمترافق مع تآكل قاعدتها الاجتماعية؛ مسألة تفسر الى حد كبير النزعة القوية لافتعال الازمات، وتوظيف المعاناة الناجمة عن الاحتلال هروبا من مستقبلها الغامض، وتجنب هواجسها وصراعاتها الداخلية الكامنة.

سياسة السلطة التصعيدية تجاه قطاع غزة وامام هذه الحقائق الصلبة تمثل حالة عابرة سرعان ما ستتلاشى، فالاستحقاقات السياسية والبيولوجية والسياسية الداخلية والاجندة الاسرائيلية والامريكية والصراعات الداخلية ستبقى كامنة في جسد السلطة وجزءاً من إشكاليتها، وجل ما ستضيفه سياسة التصعيد ارتدادات اجتماعية تفاقم ازمتها في الضفة الغربية، وتعمق عزلتها؛ فما سيحدد مصيرها ليس المحاولات اليائسة للهروب من الواقع بالتصعيد في القطاع الذي لا يتوقع ان تتمكن السلطة من تحقيق انجاز مهم او كبير فيه، بل الواقع الاجتماعي وحالة الاحتقان الكبيرة الكامنة التي باتت تعبر عن نفسها بأشكال متعددة في الضفة الغربية بشكل حد من فاعلية السلطة وادائها الاقتصادي والامني؛ فما يواجهه القطاع من تظاهرات محدودة ومحصورة لن يقارن بما يمكن ان تواجهه السلطة في رام الله خلال الاشهر المقبلة في ظل ازمتها الذاتية والسياسية وعزلتها المجتمعية المتفاقمة.

المصدر: فلسطين الآن