الثلاثاء 16 يوليو 2019 08:12 م

عندما تُحصر الطفولة بالتوحد

الإثنين 25 مارس 2019 12:00 م بتوقيت القدس المحتلة

عندما تُحصر الطفولة بالتوحد
أرسل إلى صديق

ميسرة فياض

الخمس سنوات الأولى من عمر الطفل هيَ منْجَم من المعارف والتجارب والخبرات التي توضع في خزينة الطفل؛ بحيث يستخدمها كمعلومات مدَّخرة لاحقاً في تجاربه واختلاطه بالبيئة حوله وفي حل مشكلاته، والطفل التوحدي يُحرم من جني كل ذلك بسبب غياب المهارات الأساسية التي تُمكنهُ من استغلال كل موقف كخبرة جديدة، والتواصُل البَصري هو الأداة الأولى التي تُساعد الطفل على تخزين المعلومات ووضع كل معلومة مع صورتها في الدماغ، وإعادة التجربة خلال مشاهدتها مرّة أخرى.

التفاعل العاطفي مع الآخرين يُكوِّن خبرة لدى الطفل؛ ما هي المواقف التي تحتاج لحزن أو فرح أو غضب؟ وهذا يأتي في مراحل مبكرة تقريباً في نهاية السنة الأولى من عمره، أما المبادَرة للحديث هي دليل واضح في السنة الثانية على أن التواصل لدى الطفل مطمئِن.. إذاً ما الذي يحدث لدى الطفل التوحدي؟ وماذا يفعل في طفولته؟

استجابات الدماغ لديه هي العقبة الأولى التي تمنعه من التواصل وتعيد حصاره من جديد، حيث تكون ردة الفعل الدماغية للطفل التوحدي عند التواصل هي طَرْقٌ بالدماغ وصداع مؤلم وشديد بالرأس، تَحول بينه وبين أن يتفاعل مع الآخرين، وبحسب الخبراء؛ الوصلات العصبية التي تعمل بين خلايا الدماغ إما أَن تعطي ردة فعل خاملة جداً أو ردة فعل قوية جداً فوق قدرة الطفل على التحمل، مما يؤدي لظهور نوبات الغضب التي تأتي بين الحين والآخر.

ومما لا شك فيه، عندما نتعرض نحن الطبيعون لبعض الألم في الرأس، لا نرغب في الحديث والتواصل لأنه يحتاج لبعض الجهد الذي يمكن أن يزيد من الآلام، فما بالك بطفل لم يتعد السادسة، يُجبِر نفسه على إكمال المهمة رغم ما يعانيه من آلام لأنه أحياناً لا يرغب أن يبقى في عزلته طويلاً.. فهو يرى أطفالاً بنفس حجم يتكلمون ويأخذون ما يحتاجون ببضع كلمات، وأنا أحتاج لجهود عظيمة كي آخذ ماء أو عصيراً.

وطفولة التوحدي مليئة للأسف بخبرات الألم الناتجة عن التواصل الاجتماعي؛ بحيث عندما يَطلب من دماغه الأَمر المناسب في هذه اللحظة، يخذله بشدة بإرسال سيل من الأَوامِر التي لا يعرف كيف يتعامل معها، فينسحب من الموقف كي يصلح ما حصل بنوبة غضب أو تقوقع حول نفسه، أو تعلق بشيء محدد لوقت طويل، بالرغم من أنه يظهرُ بعض الأطفال التوحديين حبّاً للتفاعل الاجتماعي، لكن بطريقة ونمط لِلّعب أو الحديث هو يحدِّدُه ولا يوافق على الخروج عنه، ومن الممكن أن تكون ردة فعل المقابل أيضاً رافضة لطريقته، فتزداد الخبرات الاجتماعية لطفل التوحد إحباطاً مما يزيده قناعةً؛ أني لن أستطيع التواصل ولا بأي طريقة.

من الأعمال العظيمة أن تعَبِّد لطفل التوحد طريقاً للنجاح الاجتماعي باستخدام السبل العلمية والمدروسة التي تُعزز لديه مفهوم القدرة على التواصل والتفاعل الاجتماعي، والبعد عن أساليب الإجبار والشدة التي تزيد من جدران العزلة، وهي ليست بحاجةٍ أبداً لمن يبنيها له.

من السبل الناجحة لزيادة التواصل الاجتماعي للطفل التوحدي أن تطلب من البداية منه ما يستطيع هو فعله وتكافِئهُ على ذلك، ومع المزيد من هذه الخبرات يبدأ الطفل يركز على ما يستطيع فعله، لا ما يؤلمه، وبالطبع يتم فعل ذلك بشكل منظم ومُعد له بمهارة، وحينها ستكون النتائج فوق المتوقع. بالإضافة إلى التسلسل في تعليم المهارة الجديدة؛ بحيث نبدأ معه من الصفر بناء على المعلومات الموجودة لديه عن هذه المهارة، على سبيل المثال التدريب على طلب الماء عند الشرب.. أن يعرف بالتدريب ما هو الماء، ومتى يطلب الماء، ثم كيف يطلب ذلك عند الحاجة.

وتختلف سرعة اكتساب المهارة بحسب عدة عوامل؛ منها الاستمرارية في التعليم والتدريب، وأن يتقبل الطفل المعالج والقدرات الذهنية لدى الطفل ومدى تعاون الأسرة وإرادتها على إكساب طفلها المهارة اللّازمة. لا تُجبر الطفل التوحدي على فِعل شيء لا يعرف كيف يؤديه فيزيد من عزلته.. هو يطلب العون لا اللوم.

المصدر: وكالات