الثلاثاء 25 يونيو 2019 06:31 ص

حكايات من الغربة.. بين مرارة الواقع وألم الحنين لوطن حُر

الأربعاء 10 أبريل 2019 12:40 م بتوقيت القدس المحتلة

حكايات من الغربة.. بين مرارة الواقع وألم الحنين لوطن حُر
أرسل إلى صديق

دينا عصام

في الغربة أكثر شيء افتقده التحدث والتعبير بلغتي.. ربما سأستطيع بذلك نصر هويتي واستعادة مجد تاريخي.. ولكني أعود لوعيي وأتسائل هل وجدت لغتي من منحها قدرها وعولمها لتكون لغة العلم والثقافة المتعارف عليها عالميا؟ هل وجد تاريخنا وتراثنا من يحنو عليه حتى في إعلامنا العالمي المزعوم ما يحفظ ماء وجوهنا أمام تاريخ العالم قديما أو حديثا؟

في طرف ما من العالم يحدث ما يشعرك حقا بغصة غربتك الفكرية وكثير من الوقت إنسانية.. هي غربة فكرية تتحدى كل ما تنتمي له؛ تواجهك خاصة في مناسبات سياسية داخلية كإنتخابات رئاسية كانت أم محلية، أو حتى تصويت على الدستور أو مشكلات إقليمية وحوادث يومية تمس حياة البشر؛ تجد أنك تسقط في فجوة تاريخية سياسية.. ستجدهم أولا يرددون بعض الجمل المتفق عليها والتي تكيد بك عن حقوق الإنسان والحيوان، وإرادة الشعوب والديموقراطية، والعلم والدين وسياسات الدول المتقدمة.

ثانيا سيتعمدون الطعن في إنسانيتك ويذكرونك بجهلك بهم في كل جملة وعدم رقيك لفكرهم المستنير، كما سيتهمون لغتك كم هي صعبة وبعيدة عن الركب ولم تعد ترقى للحضارة! مهما حاولت الابتعاد أو التملص؛ في مكان ما ستجد من يسحقون سلامك الداخلي ويؤرقون ليلك تفكر فيما ستخبرهم غدا، وكيف ستكشف لهم عن ما يجهلونه عنك عندما يوجهون سهام اتهاماتهم لعقيدتك، ومعتنقك الفكري، يطعنون في تاريخك وعروبتك بقصد تشويهك -كأنك لا تعلم في نفسك كم أنت حقا مشوه- ويطلقون أحكاما فظة على مبادئك وسلوكك بناء على ما تعتقد.. يتفاخرون بما لديهم -برغم جهلهم ما تعلمه أنت- وعدم رغبتهم في معرفته إيمانا منهم أن ما تعرفه وتعتنقه هو سبب تأخرك أو بالأحرى تخلفك الوحشي!

ليست غربتك العاطفية تجاه وطن هو بالكاد وطنك.. بل إنها غربتك في عيونهم خلقت الغربة لمن يملك وطنآ أما نحن فلا غربة لنا. (لقائله). في كل مرة عند مقابلتهم تزداد جسارتك وفي آن واحد حساسيتك لكل ما يحدث حولك.. تحاول الالتزام بمبادئك تحايد ولا تعمم في أحكامك، تستمع لهم حتى النهاية وتظهر بمظهر الإيجابي صاحب الروح الرياضية ومتقبل النقد.. تستخدم معرفتك واحاطتك بما يحدث حولك وبعض من ثقافتك عنهم فتحاورهم وأنت تنظر في عيونهم محاولا رد أهانتك والتشكيك في تاريخ مزيف وصل لأيديهم عندما خانتك أوطانك وسلمتك لهم على هيئة صديق جاهل سيفضلون عليه بالطبع عدوا Modern..

لن تنحني ولكنك ستحتاج إعادة شحن روحك فترنو إلى كتاب قديم ربما قرأته من قبل مرارا فيه عزتك ورثاء روحك.. ربما ستبحث عن أغنية من الأثر تداعب كرامتك أو حتى نص بلاغي يطرب سجيتك العربية ويمتع عينيك بحروف لغتك الأم فتراها كأنها لؤلؤ ثمين.. أو ستجد خطاب عريق لقائد ما في زمن عظيم من تاريخك ما زال طيفه يلوح في ذاكرتك يشد على كتفك ويقوي من عزيمتك. ولكن لا يمكن لكل ذلك أن يصلح الشرخ الذي خلفته فيك الحقيقة التي تعيشها أوطانك.. ذكريات عروبتك الممزقة لن تتمكن من مداواة جراحك الإنسانية ولن تستثير وصلات نسيانك للوقت عندما تم إعدام حقوقك على أرض أوطانك، عندما شرعوا يغتصبون كل ارادة لك في أن تكون صاحب إرادة وكرامة واختيار..

شعورك بالغربة ليس حنينا أو أنين شوق للوطن بقدر ما هو أنين أمل في وطن يوما ما كان خروجك منه كل الأمل؛ لتختبر حرية الإرادة وتفتح عينيك على عالم يكون لك فيه اختيار.. ففي وطنك الكبير نسيت معنى أن يكون لك إرادة، لأن الكبار هم من سيقررون لك دوما فأنت كنت وما زلت نكرة قاصر وقرارك ليس في صالحك.. أن تختار اليمين أو اليسار، أن تتحدث أو تصمت أو تصمت إلى الأبد نتيجة قطع لسانك أو خذلانك حد الخرس.. أن تبقى أو تغادر بعدما حُطمت أحلامك.. أن تكون شريفا أو فاسدا أو متى سيحين دورك لتكون مُفسدا بأجر، أو مُشَّهَرا بسمعتك بدون أجر لأنك رفضت دور المفسد وفضحت شرف الفاسد..

كلها ليست قرارتك ولا خياراتك انت هناك مصير فقط فالمخير هو جلادك خياره متى ينتهي من جلدك هو شيء يعود لإرادته أيضا.. أولئك الذين يكذبون حد الفُحش ويضحكون من إنسانيتك، يستخفون بشرفك ويشككون في سلامة قواك العقلية ولن تكون لك إرادة صم اذانك.. لن يكتفوا بتعذيبك نفسيا إلى هذا القدر.. بل أيضا ستفقد روحك وتُباد سلالتك ويُهدم بيتك وستوجه ضدك كل الأسلحة التي صكتها مصانع السلاح في العالم.. ثم سيختارون لموتك تسمية تليق بهم هم.. لن تُمنح شرفا للموت حتى!

وإنما ستكون لك الكثير من الأسماء والألقاب بما يليق مع إرادتهم وبما يدعم صناديقهم ويحفظ كراسيهم.. وعندما سيستباح دمك وستعاقب على تاريخ لم يكن لك حظ ولا دور في نصره سيخبرون العالم أجمع شرقه وغربه كم تسببت لهم في الفوبيا! برغم كل ما تتعرض له ستظل أيضا الذي ترعبهم! وتتسبب لهم في الذعر النفسي لذلك هم المساكين قليلوا الحيلة يحاربونك ويهدفون لتجفيف نسلك الوحشي فأنت في نظرهم دوما الباغي الأول وعلى الباغي تدور الدوائر فتظل معاقبا بتاريخك الذي زورته دياثتهم وزيفته أطماعهم.

تصور كم تصارع وأي الصراع ستتحمل؟ صراعك الإنساني لإثبات ذاتك أم صراعك النفسي مع حقيقة ما تتعرض له إنسانيتك؟ ستظل الأقوى كلما عرفت وتسلحت بعلمك وحكمتك ستدعوا لانسانيتك وتثبت لهم كم أنت إنسانا بأخلاقك وعقيدتك.. ستصبر كصبر صياد على غنيمته في بحر هائج وستعلم أن المعرفة قوة حقيقية.. الجهل غربة في الوطن والمعرفة وطن في الغربة (أحمد إبراهيم). صراعك الأيديولوجي هو ما يثبت وزنك وحجم معرفتك؛ سيحملك على التنقيب على الحكمة من وجودك وحمل أمانة البحث عن الحقيقة على عاتقك في وقت بات فيه حق الإنسان بعيد جدا كبعد الشمس لكنها رغم هذا البعد تضيء الكون كله.

المصدر: وكالات