الأربعاء 26 يونيو 2019 07:23 م

التواصل.. طريقك الوحيد لاستكشاف الآخر

السبت 13 أبريل 2019 12:20 م بتوقيت القدس المحتلة

التواصل.. طريقك الوحيد لاستكشاف الآخر
أرسل إلى صديق

لحبيب آيت أ صالح

يلعب التواصل دورا مهما في حياتنا بشكل عام، وفي علاقاتنا الإنسانية بشكل خاص، لأن من خلاله ننطق بذواتنا لنعبر عنها كما ينبغي، ولكي نقترب ونقرّب للآخر من نكون، وفي نفس الوقت هي فرصة لكي نعرف ونتعرف على الآخر، وهذا من أجل بناء علاقات إنسانية مناسبة، ومن أجل تبادل الأفكار والمعلومات، ومن أجل استنطاق المخبأ، واستكشاف الغامض، هكذا إذن يتجلى بوضوح أن التواصل بمثابة حاجة ضرورية للمجتمع، إذ لا يعقل أن تعيش وسط مجتمع دون ممارسة فعل التواصل، لكن هذا الأخير ليس يسيرا وبسيطا بناء على هذا التقديم، ذلك أنه يتطلب مجموعة من الشروط والتقنيات من أجل إنجاح عملية التواصل بشكل فعال، وهذا الأمر يبدو شبه غائب في مجتمعنا، ومن خلال الملاحظة يتجلى بوضوح أن التواصل بشكله المناسب لا يوجد في نطاق النقاشات والسجالات بين الأفراد في مجتمعنا، ولعل طبيعة شخصيات هؤلاء الأفراد فرضت عليهم ممارسة التواصل بشكل لا يمت للتواصل بصلة، وبالتالي فالمسألة أكبر من الاعتياد عليها، وبالأحرى إن الأمر يستدعي التربية على التواصل والتدرب عليه من أجل تحقيقه واقعيا، وهو الأمر الذي ينقصنا لكي ندرك من نكون.

إن الطريقة الوحيدة لاستكشاف الآخر هي التواصل معه، ونفس الأمر حتى يتمكن بدوره من استكشافنا، لكن ليس أي تواصل يفي بالغرض، وأي دردشة لا يمكنها أن تحقق هذا الغرض، فقد يكون هناك حوار بين اثنين، لكنه قد يخلو من التواصل، وسيكون الأمر كذلك إذا لم يتم الاعتماد على أساليب التواصل وفق ما يستدعيه هذا الحوار، وأساليب التواصل لا يكفي تلقينها نظريا حتى يستطيع أي شخص اكتسابها، بل هي ترافق من يدرك بوضوح رغبته وحاجته إلى ممارسة التواصل، ولعلها تأتي بالممارسة، وقبل ذلك يمكن أن يعرف المرء هذه الأساليب نظريا، ثم التدريب على ممارسة ذلك سلوكيا، وعن طريق ممارسة التواصل بوعي يمكن للمرء أن يدرك كيف يجعل التواصل ممكنا ومسايرا للأساليب التي ينبغي اتباعها من أجل إنجاح العملية التواصلية.

يبدو أن استكشاف مدى نجاعة التواصل وفعاليته في واقعنا مثير للأسف حقا، لأنه لم يتم التركيز على بناء إنسان قادر على التواصل كما ينبغي، ولعل المدرسة باعتبارها الدعامة الأساسية للتكوين والتربية، تعاني من غياب التواصل في مناهجها وأطرها التي لم تتعلم بدورها فن التواصل كما ينبغي من أجل ممارسته وتربية الأجيال عليه، فكان طبيعيا أن نتحدث عن إشكالية التواصل وسط مجتمع لم يدرك بعد كيف يتواصل ويتحاور بشكل مناسب. واختيار سبب المدرسة في هذه القضية يملك مبرر أن المدرسة لا تُعلم التلاميذ كيف يتواصلون في سنواتهم الأولى، من أجل أن يمارسوا هذا الفعل في حياتهم اليومية بالطريقة التي يفرضها التواصل، وهكذا فواقع المدرسة لا يسير وفق ما تفرضه العملية التواصلية، بقدر ما يعاكسها بدء ببعض الأساليب والسلوكيات التي يتم تمريرها للتلاميذ، والتي تربيهم على الانغلاق على الذات والتعصب وما شابه، بينما كان مفترضا تربية أجيال منفتحة ومتقبلة للآخر، وهي أول الطرق نحو ممارسة التواصل مع الآخر بشكل فعال.

عندما لا نتقبل الآخر ونرفضه بشكل ضمني لسبب ما، كيفما كان هذا السبب، فإننا نضع حاجزا أمام التواصل معه، وهذه إشكالية ضمن إشكالات أخرى تعيق العملية التواصلية في مجتمعنا، فعندما نبني أجيالا تعتقد أنها دائما من يمتلك الحقيقة والصواب وأن الآخر مخطئ حتما، فإن هذه الأجيال لن تمارس فعل التواصل كما ينبغي، وهذا الأمر نلاحظه في مجتمعنا بشكل كثيف، وهذا الرفض للآخر يتجلى في كثير المسائل، فعندما تتاح لنا الفرصة للحديث معه، لا نمارس معه التواصل بقدر ما نحتاط منه ولا نثق فيه، وهذه الأمور تبقى ضرورية لإنجاح العملية التواصلية، لأن الثقة في الآخر هي التي ستدفعنا لممارسة عفويتنا معه، وغياب ذلك يؤكد أننا سنصطنع له ما لا يمثلنا وقد نجامله وننافقه ونكذب عليه، لأننا أخذنا عليه صورة سلبية، وهي التي منعتنا من فتح التواصل معه بالشكل اللائق، وهذه الأمور بات مجتمعنا يمارسها بشكل اعتيادي، مما يؤكد فعلا على أن التواصل لا يوجد في صميم سلوك مجتمعنا.

لعل التواصل يفرض الانفتاح على الأخر والثقة فيه، وهي أمور يمكن أن تقود العملية التواصلية في البداية، لكن نجاحها رهين بتلك الأساليب التي ينبغي الاحتكام إليها أثناء العملية التواصلية، فالإنصات إلى الآخر بمثابة دليل على التركيز على ما ينطقه، والإنصات يجب أن نمارسه بكل حواسنا، أي ننصت إليه بصريا  من خلال النظر في عينيه، وأن نهتم بكل ما يقوله، حتى نتمكن من إعداد كلمات تناسب النقاش الذي سنمارسه معه، ولا غنى في ذلك عن ممارسة الإنصات بشكل فعال، وإذا لاحظنا واقعنا من جديد فنحن لا ننصت إلى الآخر بهذا التركيز الذي يفرضه التواصل، بل ننصت له بقلة اهتمام، لأننا لا نهدف من خلال النقاش إلى النقاش من أجل البحث عن حلول وتشخيص القضايا بل نسعى إلى إرباك الآخر والتغلب عليه في النقاش، ذلك أننا لم نتعلم الاهتمام والتركيز على ما يقوله الآخرين إلا عندما تكون لنا مصلحة في ذلك، وهذه العوامل تدفع بالعملية التواصلية نحو الفشل. يقول جوزيف جوبرت "الغرض من النقاش أو الجدال لا يجب أن يكون الفوز بل التقدم".

هكذا يبدو واضحا أننا لم نتعلم قواعد وأساليب التواصل في مجتمعنا، ولم نتعلم أن نتواصل من أجل تبادل الأفكار، ومن أجل التعرف على الآخر، ولم نتعلم أن نقدم أنفسنا للآخر عندما نلتقيه، ولم نتعلم أن نقدم الأشخاص الذين يكونون برفقتنا لمن نصادفهم، ولم نتعلم أن ننصت للآخرين، كما أننا لم نتعلم أن نبتسم في أوجه الآخرين، ولعل هذه الأمور تؤكد أن التواصل شبه غائب في مجتمعنا، وهكذا فلابد لنا من التركيز على هذا المطلب من أجل الرقي بمجتمعنا عموما وبعلاقاتنا الإنسانية خصوصا، ولعل ذلك يمكن أن يقي من كل هذه الإشكالات التي يتخبط فيها مجتمعنا، إذ من خلال تحقق هذا المطلب يمكن أن تعود الحياة إلى هذه العلاقات، كما يمكن أن تقوي الجانب الإنساني فينا، من خلال من نقدمه من احترام وتقدير للآخرين.

إن اختيار موضوع التواصل للمعالجة فرضه الواقع، ذلك أنني ألاحظ دوما أن مجتمعنا يفتقر إلى ممارسة فعل التواصل، وهذا بمثابة سبب لكل هذه الأزمات التي تلاحق العلاقات الإنسانية والاجتماعية في مجتمعنا. وهكذا فالتركيز على ممارسة التواصل بمعناه الشامل بات ضرورة ملحة في ظل التطور والتقدم الذي يسعى إليه مجتمعنا، وإذا لم نتعلم هذا الفعل وهذا السلوك فإننا لن نبرح مكاننا رغم كل المظاهر التي تؤكد أننا نتقدم، ومن خلال كل ذلك يمكن أن تكون المدرسة حلا أوليا لتنشئة الأجيال التي يمكن أن تمارس التواصل كما ينبغي، ولابد من أن يصير التواصل جزء من سلوكنا وثقافتنا.

المصدر: وكالات