الثلاثاء 25 يونيو 2019 09:37 ص

تجربتي مع اكتئاب ما بعد الولادة

الأحد 14 أبريل 2019 12:20 م بتوقيت القدس المحتلة

تجربتي مع اكتئاب ما بعد الولادة
أرسل إلى صديق

أُصبت باكتئاب ما بعد الولادة، وكنت -لغاية كتابة هذه الكلمات- عاجزة على الحديث عن التجربة. صباح اليوم بعد أن أنهيت آخر الكتب التي استعملتها في خطة علاج نفسي ذاتي بالكتب (BIBLIOTHERAPY)، أحسست بالحاجة للكتابة. جلست على مكتبي بمأزر المطبخ، على صوت صفير طنجرة الضغط، ابنتي تحوم حولي، تتشبث بي أحيانا محاولة استكشاف ما أفعل، ما يلهيني عنها... أوه! لقد نَمَت بسرعة! صار لها آراء وتفضيلات في اللبس والطعام، صارت تجادل وتناقش وتُبادر. صارت أطول بالقدر الذي يمكّنها من تسلُّق الأرفف واستكشاف ما يوجد على الطاولة ذات القوائم الطويلة. صارت تستطيع فتح الأبواب المغلقة، وقراءة تعابير الوجه، تسألني إن رأت وجهي جامدا: "ماما ماكّيي (مابك)؟" وتجيب نفسها حالا بصيغة التساؤل: "والو (لا شيء)؟".

من الصعب عليّ كأخصائية نفسية أن أعترف بعجزي أمام مرض كالاكتئاب، لكنها الحقيقة. وإن كان هناك شيء مهم تعلمته من دراستي وممارستي لعلم النفس فهو أن أكون صريحة مع نفسي قبل كل شيء، وأن أعترف بعجزي. لقد أُفرِغْتُ من أي معنى، حرفيا. لم أكن أجد جدوى من الأشياء التي أقوم بها. كنت أحس بخواء داخلي، كحبة جوز نخرها السوس، تظهر كاملة من الخارج، لكن في الحقيقة داخلُها فارغ، أسود. بحثت كثيرا وقرأت كثيرا. قرأت الكثير مما كُتب عن اكتئاب ما بعد الولادة من مقالات وبحوث وكتب، قرأت تجارب النساء على المواقع والمنتديات، قرأت ما كتبته إليف شفاق عن حليب الأم حين يغدو بلون الحبر حين تتوق للعودة إلى حياتها الأولى قبل أن تصبح أمًّا، وقرأت عن جرح الأمومة لدى الدكتورة إيمان مرسال وكيف التئم.

في الواقع، كنت في أعمق حفرة على سفح الجبل وقد حاولت الصعود ولا زلت أحاول كل يوم. لم يذهب الاكتئاب، لن يذهب أبدا، سيظل يتربص بي وسأظل أحاول التغلب عليه

لا يُخيَّلُ لكم أني لم أُفكر بالله وبإيماني به، لكن مع الاكتئاب وصلت لنقطة انعدم فيها كل شيء! كانت لديّ رغبة ملحّة في العودة إلى الرحم الذي خرَجَت منه ابنتي للتو، أن أتكوّر على نفسي وأعود إلى هناك حيث الظلام و الدفئ، حيث نقطة البداية. قرأت كثيرا عن المقاومة، الحيلة الدفاعية التي تلعبها النفس حين تتوق للعودة إلى نقطة البداية تلك، وبالفعل كما قال ستيفن بريسفسلد في كتابه "حرب الفن" المقاومة هي الوجه الثاني لتدمير الذات، هي عدونا الداخلي: نحن ننشؤها لتأكلنا من الداخل، لتفرغنا من أي قوة كان من الممكن أن تدفع بنا نحو تحقيق الذات، نحو النجاح، نحو السلام الداخلي. أحسست بذلك العدو يأكل آخر قطعة من قلبي، حيث خبأت حبي لنفسي وتقديري لذات، حيث زرعت شجرة الثقة بالنفس واعتنيت بها إلى أن دمّرتها المقاومة.

ماذا كنت أقاوم؟ كنت أقاوم فكرة أني أصبحت أمًّا، وأني سأُبلي بلاءا حسنا في دوري الجديد، لأني كما قال بريسفيلد عن الأم حين تضع مولودها لا تدرك أنه خرج منها، من روحها وجسدها، بل يُخيل لها أنه خرج عن طريقها. لهذا تأخذ بعض الأمهات الكثير من الوقت لتستوعب هويتها كأم، تفهمها وتتعايش معها. واجهت الكثير من الأسئلة من نوع "كيف لأخصائية نفسية أن تصاب بالاكتئاب؟"، "إذن ما جدوى دراستك لعلم النفس؟ وكيف ستنفعين الناس إن عجزتِ عن الانتفاع به لنفسك؟".. كل تلك الأسئلة التي آذتني أكثر من الاكتئاب نفسه، لم أستطع الإجابة عنها. لكني اليوم أعترف: نعم لقد عجزت ومن حقي أن أعجز ومن حق كل إنسان أن يفشل ويعجز. الصعود نحو قمة الجبل يبدأ من سفحه. لقد كنت في سفح الجبل، في الواقع، كنت في أعمق حفرة على سفح الجبل وقد حاولت الصعود ولا زلت أحاول كل يوم. لم يذهب الاكتئاب، لن يذهب أبدا، سيظل يتربص بي وسأظل أحاول التغلب عليه.

هناك في قلبي زرعت اليوم فسيلة الحب وسقيتها عساها تغمرني وأسرتي بقليل من حب، وابنتي ذات الـ18 شهرا، بعمر اكتئابي الذي ولد معها، أصبحتُ أُدرك مع مرور الوقت -بفضل الله سبحانه ومن بعده الكتب- أنها هي دوائي، ملاكي الحارس.

المصدر: الجزيرة نت