الأربعاء 24 أبريل 2019 07:26 ص

كيف تؤثر تقنيات التكنولوجيا الحديثة على عقولنا؟

الأحد 14 أبريل 2019 05:20 م بتوقيت القدس المحتلة

كيف تؤثر تقنيات التكنولوجيا الحديثة على عقولنا؟
أرسل إلى صديق

ياسين حكان

تغير العقل هو مفهوم جديد ومعاصر، وهو نتاج سلوكياتنا وتفاعلاتنا غير المعقلنة مع تكنولوجيا الأنترنت الحديثة، سواء كانت وسائل التواصل الاجتماعي التي تستهوينا بكل ما تقدمه لنا من خدمات إيجابية وسلبية؛ تلك التقنيات التي غالبا ما تأخذنا للعيش في عالم آخر، يوصف بأنه عالم افتراضي بامتياز؛ عالم الصوت والصورة والتفاعل واللايك والشير والتعليق، وغيرها من الممارسات التي نقوم بها، هذا العالم الافتراضي الذي يجذبنا للعيش في الخيال، والتخلي عن واقعنا الحالي.

هذا العالم الذي يسلب منا حريتنا، وحرية اختيار الأشياء، كنوعية الكتب التي سنقرأ، ونوعية المشتريات التي سنقتني، بل ويؤثر على الذوق العام الذي نمتلك، والذي تملكنه من خلال خبراتنا التي اكتسبناها طوال السنوات التي مرت من أعمارنا، كذا كل ما يعوج به عالم الأنترنت من مغريات؛ كأسواق جاهزة للبيع والشراء، وإيديولوجيات منتشرة هنا وهناك، وأفكار وثقافة رقمية، وأخبار على مدار الساعة، وإعلام، وصناعة الرأي، وسياسة ومجالاتها، وجمال، وفن وأصنافه.

وكل ما هو مرغوب فيه من قبل المواطن الرقمي، باعتباره الشخص الذي تتحدد هويته بفعل قدراته التلقائية، وما هو متوقع منه، بناء على البراعة والألفة التلقائية في التعامل مع التقنيات الرقمية، ومما هو غير مرغوب فيه ممن يسمون، بالمهاجرين الرقميين، وحسب برينسكي؛ وهو خبير تقني أمريكي، وهم أولئك الذين، تبنوا العديد من جوانب التكنولوجيا، لكنهم مثل أولئك الذين يتعلمون لغة جديدة في مرحلة متأخرة من الحياة، يحتفظون بلكنة، لأنهم ما زالوا يحتفظون بإحدى قدميهم في الماضي.

ما تطرقنا إليه الآن، يوحي بنوع من الفجوة بين الأجيال السابقة والأجيال الحاضرة، وقد يصنع تغيرات جذرية في طريقة الحياة، إما سلبية أو إيجابية، وقد يحدث نوعا من النفود بين الأجيال، ويصنع مشكلات؛ لم نفكر فيها من قبل، ولم يتخيلها العقل البشري؛ هذا الموضوع، في حقيقة الأمر، قد أثار جدلا علميا في صفوف علماء النفس، وعلماء الأعصاب، وعلماء البيولوجية، وقد أحدث شرخا كبيرا في تركيبة المخ، وذلك بشهادة المتخصصين في تلك الحقول المعرفية التي تحدثنا عنها سالفا.

وإذا أردنا أن نربط موضوعنا بموضوع الحضارة البشرية وكيفية تطورها، سنستشهد بما قاله، الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، عام 2004، في آسبن، كولورادو، بأنه يمكن تقسيم الحضارة إلى ثلاث مراحل: العزلة، والتفاعل، والتكامل، حيث تميزت العزلة، بالفصل بين الإمبراطوريات التاريخية القديمة، التي كان الوصول إليها حتى القرن الماضي متقطعا، ويستغرق وقتا طويلا، ويتسم بالخطورة، أما التفاعل، كما أشار إليه كلينتون، فقد ثبت لاحقا كونه إيجابيا، في صورة المقايضة، وتبادل الأفكار.. وهلم جرا، وسلبيا في نفس الوقت، مع زيادة سهولة وحجم الاحتدامات، غير أن هذا القرن، قد يصبح نموذجا للمرة الأولى التي يجري فيها تحقيق تكامل.

إن ما أشار إليه بيل كلينتون، يبدو منطقيا إلى حد بعيد، لكن الفكرة التي أثارت انتباهي، هي فكرة التكامل، تبدو ميزة إيجابية وسلبية في نفس الوقت، لأن تحقيق التكامل قد يفيدنا في أشياء، وقد نفقد الوجهة، ولا نحسن التعامل، خصوصا مع تقنيات التكنولوجيا الحديثة، كوسائل التواصل الاجتماعي، فهذه المواقع قد تجعلنا، نعيش في عالم مليء بالأخطار، فلنكن حذرين من التعامل معها في سبيل تحقيق تكامل إيجابي وفعال، يجعلنا نحن المتحكمين في تقنيات الأنترنت الحديثة، حتى لا نقع في ما يسمى "الحيوات الافتراضية"، وهو تقرير صادر في عام 2011، بتكليف من الهيئة البريطانية للأطفال، كيدسكايب، حيث تم تقييم أنشطة الأنترنت، من خلال إخضاع أكثر من ألف طفل بين الحادية عشرة والثامنة عشرة، حيث ذكر أكثر مما يقل عن نصف الأطفال الذين سئلوا، أنهم يتصرفون على الأنترنت بشكل مختلف عما يفعلون في حياتهم العادية، في حين زعم كثيرون أن ذلك يجعلهم يشعرون بكونهم أكثر قوة وثقة، وكما قال أحدهم: "من السهل أن تكون ما تود أن تكونه، لأنه لا يعرفك أحد، وإذا لم يعجبك الموقف، يمكنك الانسحاب بسهولة".

إذا أنجزنا نفس الدراسة في عالمنا العربي، سنجد مواقف كثيرة ومتباينة، وقد تكون مثيرة للجدل، حيث أن اليوم لم يعد الأنترنت وسيلة غريبة، بل أصبح من أكثر الأشياء تداولا بين الناس في أغلب الأحيان، سواء من قبل الصغار أو الكبار، وكمتخصص في هندسة المعلوميات، تصلني رسائل كثيرة من الآباء، تعبر عن تخوفهم عن مستقبل أبنائهم، الذين يعيشون في العالم الافتراضي أكثر من عيشهم في الواقع الحقيقي، ذو الأبعاد الثلاثة؛ هذا الأمر قد يفرز تساؤلات كثيرة، وليس لها مثيل، ولم تطرح من قبل، فنحن بحاجة إلى توجيهات قوية وقوانين تنظيمية لمواجهة تلك المخاطر الآنية والبعيدة المدى لعالم الأنترنت، رغم أنها غير كافية لاستشراف المستقبل، أو تخيل أفضل الاستخدامات التي يمكن توجيه التقنيات الجديدة لصالحنا، إننا وبلا شك في حاجة ماسة إلى إرادة قوية وتفكير جريء، يقيضنا من عثراتنا، ويجعلنا ننتصر على رغباتنا في سبيل تحقيق تكنولوجيا ممكنة، تساعدنا في صياغة حياة أكثر إشباعا وأكثر توازنا، سيحدث كل ذلك؛ إذا تحملنا المسؤولية وساعدنا الآخرين على العمل بالسلوك الصحيح، من خلال تحسين تصرفاتنا تجاه الأنترنت.

المصدر: وكالات