الجمعة 19 أبريل 2019 05:22 ص

هل أرزاقنا بيد حفنة من البشر؟!

الأربعاء 17 أبريل 2019 11:20 ص بتوقيت القدس المحتلة

هل أرزاقنا بيد حفنة من البشر؟!
أرسل إلى صديق

أمال السعودي

ما خلق الله العقل استنطقه ثم قال له: أقبل فأقبل ثم قال له: أدبر فأدبر. ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا هو أحب إلي منك ولا أكملتك إلا فيمن احب، أما إني إياك آمر، وإياك أنهى وإياك أعاقب، وإياك اثيب. شاءت الأقدار بتوزيع الأرزاق على كل مُستحقٍ جاب البحار. مَنَّ الله على الجميع بخيره الذي لا يفنى وسقى زروع العقول ماءاً طهوراً من ماء عرشه، لكن هناك عقول أقبلت وهناك عقول أدبرت.

إقبال العقول تمعنت ورأت بعين قلبها أنوار الحق وأستساغته وعملت به جهداً وشكراً وتوبةً وثوبةً ونصراً وصبراً جميلاً. قُبلت أعمالُها وأُدخلت منابر الحق لتستمر بأعمالها والاتصال بالقرب المُستمر من العقل الكوني مُستحضرة منه كل ما تحتاجه من علم لتسقي به بذور عقولها ليمدها الرحمن رزقاً مدرارا فاتحاً له أبواب السموت بالقُبل والتحفيز للغوص أكثر بحوض الرحمن والاغتسال به. فاغتسلت رؤوس هذه العقول وتوضأت بماء النور الطهور ماء طه ورفضت التيمم بظاهر العلوم.

إدبار العقول من دَبَرَ أمره بأمره وأستغنى عن تدبير ربه. وأنشغل بظاهر العلوم مثل: الفيزياء، الكيمياء، الرياضيات، الأحياء، الأفلاك، علم النفس والفلسفة. لاحقاً الظواهر الكونية والإنسانية، فرسم الفرضيات ونظم النظريات وسَلمَ مفاتيح عقله لكل ما يدور حوله. ولم يتيقن أن بواطن هذه العلوم هي في قلب خالقها وصانعها وصائغها. فأغتر بعقله وحاث بأنهار العلوم من تحته وفرعن عقله على قومه. مُعتقداً أن لمس سماء العلوم بزينة عقله لكن السامري سمم فكره لا مساس له بعد اليوم ببواطن العلوم وقلبها.

"كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا".. المد الرحماني (نور ونار) من أقبل بنور عقله آنس ناره ومن أدبر حُرق بناره، فمن اختار النور عاد على صاحبه أضعاف مُضاعفة فتأتي كائنات نورانية من الأكوان لمساعدته، وهذه المساعدة هي من العقول التي أقبلت وقبِلت أن تتعلم وتُعلم غيرها. لتمتد بحقول وعيها وتبتلع كل وعي أقل لتتوسع وتنسج خيوط الأمل والنور غايتها الوصول لجميع أكوان الله النور. وعزف سيمفونيه الخالق "يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ".

"اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ".. ومن اختار أن يدبر أموره بتدبير نفسه مده الرحمن بأعظم غطرسة كونية يمده بمنظومة الظلمان ويرصد له جنود لم تروها من جنود إبليس تُخطط له بإستراتيجيات مُذهلة لتدمير كونه ويمتد الزحف الشيطاني داخل نفسه مُتمكنا بجنود جالوت عقله وقومه، يقدمون له أنواع المُخيلات لتحطيم بني بشره وأزره بفرعون ذي الأوتاد الذي يمكنه في أرض الفساد ويجره ويسحبه لدركه الأسفل حيث يلاقى من يشابهه من جموع الشياطين والأوغاد. ويبنى له قارونه وهامانه بأوهامه قصور الإمبرطورية عندما يتحكم بالبشرية، فتأخذه عجلة القرارات بعجلة السامري الترامبي ويوقع على قرار شنق نفسه بمحافل سطوته على حقوق غيره فتأخذه مغرته بعزة نفسه أخذاً وبيلا.

"فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا".. إلى أن يطغى فرعونه بالميزان ويبلى بما أبلى نفسه فيُختم على قلبه بأقفال القدر ويغرق ببحر فرعونه. فتكون الأقدار حسب السنن الكونية وليس حسب رغبة حفنة من البشر ترغب بتدمير الأرض ومن عليها لأن ربك بالمرصاد يصد عملهم صداً بوجوههم. "فِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ".. أعلم أن القوانين التي تحكم عالم الخلق ليست نفس القوانين التي تحكم عالم الحق. فكل ما تفكر به ليس له علاقة ولا مساس بالسماء، ولا حُكم من أحكامك له علاقة بحكمة السماء.

تخلص من فكرك العشوائي المشوش بترددات ذبذبات الأرض وأخرج منها بطرد كل ما يشُدك إليها. لتصل لك إشارات السماء الواضحة الجلية وهي نسمة من روحك النقية تهدي لك الامتنان أنك سمحت لها بالمرور من خلالك لتمس الخلق بلمسة حنان من واسع الرحمن وهي شروق لمكائن البوح بالرهائف والجنان. عندما تتأمل بمرآة قلبك لن ترى جسدك، لن ترى صورتك، لن ترى نفسك، سترى من صنعك وأحسن نور تقويمك، سترى حقيقة جمالك، سترى قصرك بجنتك، سترى نبيك وترد لأمك، ستسمع صوت ربك بأذنك يرتل لك: إنك بأعيننا وأنك حبنا، ملكت فؤادنا، ستدوم بفلكنا ما حيينا، تدور بكؤوسنا ونهز لك عرشنا.

المصدر: وكالات