الجمعة 24 مايو 2019 12:49 م

علمني الاكتئاب أقسى درس في حياتي!

الثلاثاء 23 أبريل 2019 01:00 م بتوقيت القدس المحتلة

علمني الاكتئاب أقسى درس في حياتي!
أرسل إلى صديق

أرياف التميمي

كان لي زميلة في الثانوية قلّ مستواها عما كان عليه أيام المتوسطة، كنت أرى أنها فتاة مُهملة مُقصرة مُستسلمة، ربما كان لها أسباب وظروف لا أعلمها أنا، لكن كل ذلك كان غير مُبرر بالنسبة لي. كنت أظن بأننا مهما كانت الظروف التي نمر بها ومهما كانت أسبابنا لا ينبغي لنا أبداً التراجع والتنازل عن أي تقدم أو تميز نمتلكه.

في سنيني التالية قدّر الله أن أُصاب بمرض العصر؛ الاكتئاب، ذلك الداء الذي غيّر الكثير من مفاهيمي عن الحياة، لقد وقف في وجهي كرياح عاتية تدفع بي للوراء، ليُثبت لي بأن الاستمرار في التحسن والتمسك بكل المواصفات والطبائع التي نمتثلها قابل للزوال. في كل يوم آوي إلى الفراش أُقنع نفسي بأنني أنا لست أنا، وأن ما حدث لي مُؤقت، وبأنه طفرة ستتغير غداً. غدا سأعود الفتاة التي كُنتها قبل الاكتئاب، غداً - بالمعنى الحرفي لغداً - سأكون أكثر نشاطاً وسأُحقق الأهداف التي وضعتها لنفسي، وسأعود للعادات الحسنة التي كنت أمتلكها. غداً لن أكون حزينة بل سأكون سعيدة، سعيدة جداً.

غداً لن يهزمني النوم بل سأهزمه، غداً سأكتسب صداقات جديدة، وسأُعيد ترميم العلاقات المهدومة.. ثم ماذا؟! ثم يأتي غداً ومعه ذلك الشبح الذي يقف في وجهي مانعني من تخطي كل ذلك ومن تحقيق كل ما نويته ليلة البارحة. يأتي ليخبرني بأنني فتاة ضعيفة، لا تستطيع تجاوز أبسط العقبات اليومية. لو نَظَرَت الفتاة التي كُنتها قبل الاكتئاب إلى الفتاة التي أصبحت بعض الاكتئاب لاحتقرتها ونظرت إليها بنظرات لوم واشمئزاز، ولما قبلت منها أي مبرر. 

الاكتئاب عَلّمَنِي أقسى درس تعلمته في حياتي، عَلّمَنِي التعايش مع ما كنت أُسميه فشل، مع الاكتئاب كُنت أمارس الفشل يومياً. أفشل في أن أصحى مبكراً، أفشل في إجراء مكالمات أتواصل بها مع من أحب، أفشل في ترك هاتفي للتركيز على الأمور الأكثر أهمية، أفشل في استعادة ثقتي بنفسي، واستعادة كبريائي. فقط حين وقفت في صف واحد مع الفشل خلقت معه علاقة ودية جميلة. الفشل الذي كنت أُكابر في الاعتراف بوجوده، أصبح صديقي، أصبح جزء من حياتي أتعلم منه ما لم أتعلمه من النجاح.

لأول مرة أكتشف بأن الفشل ليس سيّء كما ظننت، بل كان حكيماً، تعلمت منه دروساً كثيرة، وعَلّمَنِي أبعاد أعمق للحياة. عَلّمَنِي ألا أنتقص من الفاشلون، بل عَلّمَنِي ألا أحكم على أحد أنه فاشل، فكل منا له معركته الخاصة في الحياة، معركة قد لا نرى نتائجها جميلة مبهرة في حياة أصحابها، لكنها نتائج أعمق مما نظن.. لقد وضع الاكتئاب يده في مؤخرة رأسي ثم دفع بها للأسفل، إلى أسفل حيث الفشل، والوهن وجلد الذات وضعف الثقة بالنفس، والخوف، والتوتر والارتياب. لقد أنزلني من المكانة التي تصورتها لنفسي، مكانة النجاح والكبرياء والانا التي يدور الكل حولها. نزلت من تلك المكانة لأقف في صف واحد مع الوحدة والقلق والشعور بالنقص..

لقد مَكَنّني من رؤية ما لم أكن أراه، مَكّنَني من رُؤية الجانب المظلم من الحياة. الجانب الذي طالما استنكرت وجوده، لِأُعيد التفكير في كل ما حولي ومن حولي، لأُعيد التفكير في علاقتي بالكون والنَّاس ونفسي، لأسأل نفسي من أنا؟ وماذا أفعل؟ وما هدفي في الحياة؟ ما هي قيمي؟ وبماذا أؤمن؟ لأعيد التفكير في كل شيء.. علمني الاكتئاب أن أتحدث مع الناس بِلُغَة القلب لا بِلُغة العقل فقط، وبنفس المستوى لا من مستوى أعلى، عَلّمَنِي أن أُركز على المشاعر لا على الكلمات.

مرت صديقة لي بابتلاء، كان كل من حولها يسأل عن سبب ما حدث لها، كيف حدث؟ ولماذا حدث؟! أما أنا فلم أشغل نفسي بتلك الأسئلة أبداً، ولكن السؤال الذي كنت دائم أسأله: كيف تشعر؟ كيف تتعامل مع معركتها الخاصة؟ المعركة التي لا يدري عنها أحد ولا تَهُم أحد في الواقع، المعركة التي قد تخرج منها شخصاً آخر، شخص لا صلة له بالشخص الماضي الذي كانت عليه. عَلّمَني الاكتئاب أن أُحِب أكثر، وأن أتسامح أكثر، وألا أنظر لأحد مهما كان نظرة دونية، وألا أحكم على حياة أي شخص بأنها حياة سيئة، ولا إنجازات أي شخص بأنها قليلة..

المصدر: وكالات