الخميس 23 مايو 2019 03:43 ص

من يوميات النكبة.. دماء في حواري القدس

الخميس 09 مايو 2019 11:35 ص بتوقيت القدس المحتلة

من يوميات النكبة.. دماء في حواري القدس
أرسل إلى صديق

شهدت حواري وأزقة القدس القديمة نضالا فذا من شعب فلسطين، وسكان القدس، استمر منذ وطئ الاحتلال البريطاني -بقيادة الجنرال اللنبي في ديسمبر/كانون الأول 1917 هذه الأرض المقدسة، وهو ذات العام الذي وعد فيه وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور بإنشاء "وطن قومي لليهود في فلسطين".

دخل البريطانيون القدس وهدفهم الأكبر الاستيطان اليهودي في طول البلاد وعرضها، وقد تحقق ذلك بالفعل، حين قهروا الفلسطينيين، وسحقوا انتفاضاتهم المتتالية في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، واغتصبوا الأراضي وباعوها بأبخس الأثمان لليهود الوافدين، وحين حموهم وقدّموا الدعم لعصاباتهم المسلحة التي كانت تزداد قوة يوما بعد يوم مثل الهاغاناه والبالماخ وشتيرن وغيرها.

وقف الفلسطينيون وحدهم طوال تلك السنوات القاسية، كان تسليحهم متواضعا أمام عتاد لا ينفد من الدعم البريطاني وغيره من القوى الأوروبية الكبرى للصهاينة وعصاباتهم، ورغم ذلك لم تفتر المقاومة الفلسطينية في الدفاع عن الأرض والعرض والتاريخ والمقدسات، وحين لاح للبريطانيين أن اليهود أضحوا قوة كبيرة يمكن الاعتماد عليها تظاهروا بالحياد وبالوقوف بين الفلسطينيين واليهود، وقدموا مقترحا مشؤوما بتقسيم الأرض الفلسطينية بين الجانبين.

بعيد قرار التقسيم الصادر من هيئة الأمم المتحدة بتاريخ 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947 والقاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين واحدة لليهود وأخرى للعرب، كانت شرارة المعارك قد اشتعلت بين الجانبين في طول فلسطين وعرضها. 

وفي 10 ديسمبر/كانون الأول من نفس العام أذاع المندوب السامي البريطاني بفلسطين السير ألن غوردن كاننغهام بلاغا رسميا أنذر فيه الفريقين أن يبتعدوا عن أعمال العنف والقتل والتدمير، وكان نداء لا قيمة له في الحقيقة، إذ لم يمر يوم من الأيام دون حرب وقتال، ولا مرّت ساعة دون سماع صوت الرصاص في جنبات القدس للانتقام من هؤلاء اليهود الذين احتلوا بسلطة القهر والأمر الواقع فلسطين وعاصمتها القدس.

كان مفتي القدس الحاج أمين الحسيني -الذي أسس "الهيئة العربية العليا" لتنسيق عمليات الإغاثة والمقاومة ودعم الفلسطينيين والمقدسيين بالمال والإعلام في مواجهة الاحتلال البريطاني- ينسق هذه العمليات من القاهرة بعد عودته إليها من سويسرا، كان يؤمن بالمواجهة المسلحة ضد اليهود وكتب في ذلك مذكراته "كنت وما أزال أعتقد أن الحل الوحيد القاطع لمشكلتنا مع الصهيونيين لا يكون إلا بالتغلب عليهم بالقوة، ولقد أيقنتُ بهذا منذ أول أدوار القضية الفلسطينية لمعرفتي بمطامع الصهيونيين وخطورة أهدافهم".

وكان المقدسيون يرون أن هذا التوجه هو الخيار الوحيد في مواجهة الأطماع الصهيونية المتزايدة في مدينتهم المقدسة، ويروي عارف العارف (مؤرخ فلسطين الأشهر) فيقول عن تلك الأيام واشتباكاتها بالقدس "وما كنت لترى أينما حللت وحيثما سرت في مدينة القدس سوى جثث القتلى مبعثرة هنا وهناك. هذا يهودي، وذاك عربي، وهناك شخص آخر إنجليزي كان قد أتى ليحول دون اصطدام الفريقين، أو ليحرض أحدهما على الآخر. ولم تنقطع الحرائق وأعمال النسف والتدمير، تارة في هذا الحي، وطورًا في ذاك، وقد تنطفئ في النار في حي أو تخبو وقتًا قصيرا لتعود فتشتعل، أو تزداد ضراما في الأحياء الأخرى".

كانت الشعوب العربية تتابع هذا الإجرام بقلق، وكانت الحكومات العربية أيضا تتابع ما يحدث، وتزمع على الدخول بجيوشها لدعم الفلسطينيين في ثورتهم وحربهم، في حين أن جذوة الثورة في القدس لم تهدأ، كان البريطانيون يفرضون حظر التجوال، وكان المقدسيون يهدؤون يوما أو يومين يستعدون للخروج والانقضاض على عدوهم، وراح السجناء يهربون من السجون ليلتحقوا بمواطنيهم، كما أن عناصر البوليس الفلسطيني كانوا يفرون من قطاعاتهم ليلتحقوا بحركة النضال والثورة.

حرب العصابات 
أما إستراتيجية اليهود العسكرية فقد تمثلت في حرب العصابات، حيث المباغتة والقتل ثم الانسحاب سريعا، فأوقعوا في الفلسطينيين والمقدسيين كثيرا من الشهداء والجرحى، أما أهل القدس فقد عزموا على المقاومة وإنزال الضربات القاسية بالعصابات الصهيونية ومصالح اليهود في المدينة وما يجاورها، فقد عرقلوا سير قوافل اليهود بين القدس وتل أبيب، وكمنوا لهم في الطرقات والمنعطفات الضيقة وعند باب الواد.

ووصلت يد المقاومة المقدسية إلى أنابيب الماء التي تمد اليهود، فدمروا أنابيب رأس العين-اللطرون، وسريس-القدس، كما هاجموا السيارات التي تحمل الأسمدة من البحر الميت صوب القدس والمستوطنات، وبدأ العرب في حصار الأحياء اليهودية في القدس، الأمر الذي أثر بالسلب على الاحتياجات الأساسية وإمداداتها القادمة، فارتفعت الأسعار في هذه الأحياء، كما هدف المقدسيون إلى ضرب وسائل المواصلات اليهودية، وقطع كل اتصال بين الأحياء اليهودية في القدس وخارجها.

وبسبب هجوم الثوار على وسائل المواصلات اليهودية، اضطر اليهود إلى تعيين حراسات من الجنود خلف سياراتهم ومواصلاتهم، وانقطعوا عن أعمالهم في دواوين ومصالح القدس القريبة من الأحياء العربية خوفا من هجمات المقدسيين، واضطر الموظفون العرب أيضا من ناحيتهم إلى الامتناع عن الذهاب إلى أعمالهم في الدوائر القريبة من الأحياء اليهودية بالقدس.

كانت المناوشات لا تنقطع داخل القدس وخارجها، فقد اشترك سكان سلوان -وكانت قرية تابعة وقريبة للقدس حينذاك- في الهجوم على القوافل اليهودية، واستطاعوا قتل سبعة من اليهود في تلك الانتفاضة في ديسمبر/كانون الأول 1947، وفي المقابل انتقم اليهود لقتلاهم من خلال تفجير بعض بيوت أهل سلوان، ولم يتوقفوا عن إطلاق النار عليها منطلقين من الحي اليهودي من البلدة القديمة، لدرجة أن أهل سلوان ما كانوا يستطيعون دخول منازلهم في النهار بسبب كثافة هجمات الصهاينة، وكانت حصيلة الشهداء من أهل القرية 285 شخصا ما بين رجال ونساء وأطفال، من اليوم الذي بدأ فيه النضال إلى أن صدر الأمر بوقف إطلاق النار.

وكان الغدر الأكبر من اليهود وعصاباتهم المسلحة يوم 29 ديسمبر/كانون الأول من ذلك العام، فقد تسلل مجموعة من عصابة الأرغون المسلحة صوب باب العمود معهم برميل ممتلئ بالمتفجرات، ونفذوا جريمتهم المروعة بتفجيره وسط المدنيين العزل، فاستشهد على الفور 14 مقدسيا، وجُرح 27 آخرون، وكانت المصيبة -حين أراد المقدسيون تعقب الجناة للانتقام منهم- أنهم فوجئوا بوابل من نيران القوات البريطانية الرابضة في الجهة المقابلة لباب العمود، فأسقطوا قتلى آخرين من سكان المقدس.

وبسبب هذا التواطؤ الصريح من البريطانيين تجاه أهل القدس المدنيين والغدر بهم، ثارت ثائرة العرب في هذه المنطقة، واستطاعوا قتل الكونستابل البريطاني، وقتلوا ضابطا بريطانيا آخر، وألقوا قنبلة على الموظفين اليهود العاملين حينذاك في بنك باركليز، وقتلوا يهوديين في القدس القديمة، الأمر الذي اضطر معه الأطباء اليهود إلى الانسحاب من مستشفى الحكومة، وسد أهل القدس باب المغاربة خشية تسلل اليهود ليلا ليزرعوا الألغام وينسفوا الحي القائم فوقها والمعروف بحي السعدية.

لم تنته حكايات المدينة المقدسة ومعاركها في ليالي النكبة القاسية عند هذا الحد، فقد رووا بدمائهم كل شبر من أحياء القدس وقراها، أمام التمدد والاحتلال الصهيوني بمساعدة وتواطؤ علني من القوات البريطانية التي كانت مهمتها الافتراضية الفصل بين الجانبين، تلك الحكايات القاسية التي سنقف معها في عدد من محطاتنا القادمة.

المصدر: وكالات