الثلاثاء 18 يونيو 2019 09:41 ص

احتلال العقل المسلم

السبت 18 مايو 2019 08:47 ص بتوقيت القدس المحتلة

احتلال العقل المسلم
أرسل إلى صديق

عباس المناصرة

جاءت الدولة العثمانية بعد حالة الانحطاط والإنهاك العام الذي أصاب المجتمع الإسلامي، وكانت أهم فضائل الدولة العثمانية أنها جمعت الوطن العربي في كيان موحد، بعد أن مزقته دول العسكر المنشقة عن الدولة العباسية، كما أنها حمت الوطن العربي لعدة قرون من محاولات التمدد والانفجار السكاني الاستيطاني الأوروبي ، الذي ألقى بثقله الاستيطاني إلى البلاد الجديدة المكتشفة (أمريكا الشمالية والجنوبية واستراليا وجنوب افريقيا) إلا أن الطبيعة العسكرية للدولة العثمانية جعلها تهمل البناء الحضاري والعلمي والثقافي حتى وصل في أواخر أيامها إلى مرحلة التخلف والفقر والأمية التي عزلت المسلمين عن اللغة العربية، وعن مرجعيتهم الفكرية (القرآن والسنة) كما أنها أنهكت قوى المجتمع الإسلامي البشرية والمادية، وامتصتها لصالح الجيش العثماني وحروبه الخارجية ،والأغرب من ذلك أن هذه الدولة في قرنها الأخير، لم تكن تشعر بأدنى مسؤولية تجاه مواطنيها، ولذلك أهملت الأمن والعدل والعلم والثقافة والمرافق والخدمات وتركتهم تحت ظلم الولاة ونظام الاتزام ، وتعاملت مع المواطنين كالبقرة الحلوب التي تدر لها (الجنود والمال والانتاج) الذي يغذي جيشها. وهكذا جنت الدولة العثمانية على نفسها وعلى المجتمع الاسلامي حين شاخت، ومرضت أمرضت معها المجتمع الاسلامي بكامله ، وجعلته لقمة سائغة أمام الاستعمار الأوروبي، الذي كان يتربص بها الدوائر وينتظر لحظات انهيارها.

وهكذا أفاق العقل المسلم بعد الاحتلال المغولي والصليبي على احتلال جديد من خلال طلائعه الثقافية التي تسبق جيوشه لتمهد إلى احتلال الأوطان والأدمغة معا.

فمنذ أواسط القرن الثامن عشر الميلادي والعالم الاسلامي كله مقتلع النوافذ والأبواب في وجه الفكر الغربي والنهج الغربي والثقافة الغربية، والعلم الغربي والحضارة الغربية والفنون والآداب والتقاليد الغربية بدرجات متفاوتة، فمنذ أن بدأ الغربيون ينشئون كنائسهم التنصيرية وبجوارها أو بداخلها مدارسهم التعليمية في بيروت والقاهرة وبغداد والموصل والإسكندرية واسطنبول وغيرها من حواضر المسلمين، والحصون الفكرية والثقافية الإسلامية التي كانت متبقية لدى هذه الأمة, كانت تتهاوى واحدا بعد الآخر، والأجيال المسلمة تتعرض لعملية استلاب فكري وثقافي هائل، انتهت بأن أصبحت جميع معارفنا النظرية غربية مائة بالمائة في قالب وإطار غربيين، شمل ذلك الفكر والمنهج والمصدر والفلسفة المعرفية وموضوعاتها وأهدافها وغاياتها ، وأصبحت الشخصية الإسلامية مائعة الملامح لأن رؤيتنا للحياة أصبحت تتشكل من خلال نظريات: علم النفس وعلم الاجتماع وعلم التربية والنظريات السياسية والتشريعات والنظريات النقدية كما صنعها العقل الغربي في بيئاته وخصوصياته وأمراضه.

فأصبحنا نعيش حالة من الانفصام النكد ، نفكر ونحلل بطريقة غربية ونعبد الله على الطريقة الإسلامية ، أصابنا الذهول والانبهار ومارسنا الانفتاح حتى الانبطاح ، ولم نعد نميز حكمتنا من فلسفة غيرنا ، رمينا بمرجعية الحكمة، وأخذنا بمرجعية الفلسفة، فأخذت تشكل لنا عقولنا وأذواقنا وشرائعنا وأصبحت عقولنا مناطق نفوذ للثقافة الغربية ، كما هو حال أوطاننا ، لقد وصف شاعر كبير حال الأمة بقوله:

1ـ لقد اصبحوا حانة الأجنبي يضاجعهم

في الدماغ

2ـ أمامك روم وخلفك روم

وفي الجنب روم

وفي كتب الجامعات

في أسرة زوجاتنا والبنات

لقد حقق الغرب هذا كله في مرحلة الاستعمار والتبعية، أما الآن وفي عهد الاستعمار الجميل (العولمة) فهو لا يرضى منا بالانفتاح الذي حقق له احتلال الأوطان والأدمغة بل يريد استكمال المعركة مع آخر حصون العقل المسلم وهي القلوب ،ليفرغها من المشاعر المضادة والمعادية له، وليملأها بقبول الكفر والإثم عن رضا وتسليم، لأنه لا يأمن وجوده في الأوطان والأدمغة وقلوبنا تلعنه في الصباح والمساء.

هو يريد منا تفريغ هذه المشاعر من قلوبنا واستبدالها بمتعة التلذذ بالتبعية الكاملة والذوبان الكامل في حضارته، حتى يمضغنا ويتمثلنا كغذاء جديد لذلك العقل الفلسفي الكافر، كما هضم المسيحية من قبل وتمثلها وجردها من حقاق التوحيد التي لا تناسبه ،قال تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم...) لقد زين مصطلح الانفتاح في مرحلة الاستعمار والتبعية من قبل دعاته المبهورين، فربطوه بالمرونة والوعي والعلم والتبادل الحضاري ،مع أنه لم يحقق للأمة سوى التضليل الذي جعلها تقبل بالاستلاب، لأنه في الأصل انفتاح قسري إجباري.

واتضح لنا أن الانفتاح كان مصطلحاً عائماً ومضللاً لم يخدم الأمة، ولم يبصرها بعواقب القبول بثقافة عدوها، لأنه فرض على الأمة قسراً، ورغم كل الشروط التي حاولت أن تقنن له أو تضبطه إلا انه لم يستثمر إلا استثمارا سلبيا في تغريب الأمة ومحاولة اقتلاعها من جذورها.

وتبين انه لم يعد مصطلحا سليما، ولا دقيقا في وصف علاقتنا مع الآخرين، ولذلك نحن بحاجة إلى إهماله وتجاوزه واستبداله بمصطلح جديد ،يكون أكثر دقة في تبصير الأمة وهدايتها في التعامل مع الآخرين.

ونرى أن مصطلح الامتصاص أو (امتصاص الخبرة) اكثر دقة منه في تبصير الأمة وحمايتها من حالة الاستغفال التي وضع لها مصطلح الانفتاح.

ولا تزال ألسنة منا تلوك مصطلح الانفتاح بعلم أو بجهل أو بخبث وتسوقه، وتحاول أن تستر عورته بآية أو حديث وكم ظلم الحديث الشريف ( الحكمة ضالة المؤمن) وهو يكرر من تلك الألسنة ، ليدفع بالأمة إلى قبول ثقافة الاستعمار والتبعية ، ومع انه كلمة حق ، إلا أنه أريد به خدمة الباطل وأهله.

المصدر: فلسطين الآن