الثلاثاء 25 يونيو 2019 10:38 م

نجاحنا المتأخر ليس عيبا

الأحد 19 مايو 2019 12:00 م بتوقيت القدس المحتلة

نجاحنا المتأخر ليس عيبا
أرسل إلى صديق

أرياف التميمي

تم طرد توماس أديسون من المدرسة بعد توجيه رسالة لأمه كتب عليها: "ابنك غبي جداً، فمن صباح غد لن نُدخله المدرسة"، لكن أمه قرأتها له: "ابنك عبقري والمدرسة صغيرة عليه وعلى قدراته، عليك أن تعلميه في المنزل" فتحول لأكبر مخترع في البشرية.. موقف كهذا عظيم جدا شجعه ليرى نفسه بنظرة إيجابية بدلا من أن يغرق في موجة من الإحباط والاكتئاب التي كان من الممكن أن تحدث له لو أنه أستمع إلى ما كتب على رسالة المدرسة بدلا من رسالة أمه.

نحن لم يحدث لنا أي شيء من هذا القبيل حين كنّا صغارا، لم يخبرنا أحد بأننا عباقرة لا في المدرسة ولا في البيت، وكمية الانتقادات التي تلقيناها تفوق كمية الدعم المعنوي، وعدد الكلمات السلبية التي نسمعها في حياتنا تتجاوز عدد الكلمات الإيجابية.. كذلك مواهبنا وقدراتنا لم تُمنح لنا الفرص لاكتشافها، لذلك لم يكن من السهل أبداً معرفتها وتنميتها.. لأفترض مثلا أني كان من الممكن أن أكون شاعرة! كيف كنت سأصل لاكتشاف هذه الموهبة؟! فأنا لم أعرف الأشعار سوى في كتب المدرسة المملة التي نجبر فيها على حفظ الأشعار وحفظ تحليلها الأدبي أكثر من تذوقها.

لم يلتفت مدرسونا ولا آباؤنا لإبداعاتنا في الرسم، لم يكترث أحد للبحث عن قدرتنا على التمثيل على خشبة المسرح، ولَم نتعلم شيئاً يسمى الفلسفة ولا الكتابة ولا حتى الطبخ.. معظم ما تعلمناه كان ممل خالي من الحياة لا ينتمي إلى واقع الحياة بصلة ولا ينبش مواهب مدفونة في دواخلنا، بقدر ما يميتها ويدفعها للاختفاء والزوال لعدم الإيمان بأهميتها.

فالمواد الدراسية لم تجعلنا نكتشف ما ان كانت توافق رغباتنا وميولنا أم لا. وسأضرب مثال على ذلك التاريخ؛ التاريخ أجبرنا على حفظه بالحرف، لم نجد الوقت ولا الداعي لاستنباط العبر منه ولا لمعرفة تفاصيل أكثر عن أحداثه من خلال قراءة كتب خارج المنهج أو قراءة روايات من الأدب التاريخي تعرض التاريخ بتفاصيله التي تجعلنا نعايش أحداثه ونستشعرها وكأننا داخلها، ولَم نُحفّز لمشاهدة الأفلام الوثائقية التاريخية التي أنتجتها قناة ناشيونال جيوغرافيك والذي يُعرض بصوت وصورة مما يجعله ممتع أكثر وواضح أكثر ومناسب للفترة العمرية التي مررنا بها أيام الدراسة، لماذا سنضيع أوقاتنا في كل ذلك الذي لن يزيد من رصيد درجاتنا التي تعلمنا أنها الهدف الأول والأخير الذي يجب أن نسعى له، والذي لن نحصل عليه في مادة كالتاريخ سوى عن طريق الحفظ ثم الحفظ ثم الحفظ؟ لا تذوق! لا تعمق! ولا حتى عِبر!

وهكذا وصلنا إلى مرحلة من حياتنا ببحث وجهد منا للسماع عما يسمى الشغف، والبحث وراء هذا الشغف، وصلنا لها ونحن لا نعي شيء عن أنفسنا، ولا عن ميولنا، ولا ما سنحب، ولا ما سنبدع فيه، نتطلع بنظرة تفحصية شديدة على حياتنا الدراسية باحثين عما كنّا نحب، فلا نراه واضحا، لا نراه إلا وقد اختلط بغيره بطريقة مبهمة، فمن ناحية ما كنّا نراه جيدا لم نكن متفوقين فيه، وما كنّا نتفوق فيه لم يكن بالضرورة يعجبنا، لا شيء يعطينا جوابا واضحا.

نتطلع إلى سير الناجحين فنجد أنهم بدؤوا مبكرا، وننظر إلى شدة التنافس في عصرنا الحالي، فنجد أن المتفوقين في المجالات المختلفة في الدول المتقدمة قد قطعوا شوطا كبيرا، ونحن لا زلنا تائهون متعثرون، حتى إن بدأنا من اللحظة فلن نصل إلى ما وصلوا إليه الا وقد تقدم بِنَا العمر، فقد أصل إلى إنجازات وأنا في سن الأربعين قد وصل إليها شاب من اليابان في عمر العشرين.

إذا.. هل نتوقف؟ ونتذمر ونكتئب من واقعنا المرير وتخلفنا الكبير عن غيرنا من الأمم؟ إننا بذلك لن نزيد واقعنا سوى مرارة ولن نزيد تخلفنا سوى تخلف أكبر منه. نحن لسنا مسؤولون عن الواقع الذي أتينا اليه ولم نعلم إلى أين يجرنا؟! لكننا مسؤولون منذ اللحظة التي أدركنا فيها الي أين نحن نتجه. لن يفيدنا البكاء على ماضينا، كما لن يفيدنا مقارنة أنفسنا بغيرنا دون أن ننظر إلى الفرق بين واقعنا وواقعهم؛ ما سيفيدنا حتما هو ألا نسلم عقولنا لما يجره لنا مجتمعنا، بل نبحث ونقرأ ونتعلم ونعمل لإعادة هيكلة عقولنا، ونبش ذواتنا، وتطوير أنفسنا وأسرنا ومجتمعاتنا، وألا نرضى لأبناءنا أن يكونو ضحايا واقع أليم كما كنّا.

ليس عيبا أن أصل لإنجاز في سن الأربعين وصله شابا من اليابان في سن العشرين، بل العيب ألا أحاول أن أصل أبدا، وأن أستسلم لليأس والتذمر وجلد الذات. حياتنا لا تتوقف إلا بالموت واليأس، والموت إجبار واليأس اختيار، ويكفينا سندا إيماننا بالله وثقتنا به ولجوأنا إليه وحبنا للعلم والتعبد به، فهو جزء من عقيدتنا.

المصدر: وكالات