الأربعاء 19 يونيو 2019 06:54 ص

منطق القوة.. كيف تصاغ الأخلاق على مزاج المنتصر

الأحد 26 مايو 2019 12:40 م بتوقيت القدس المحتلة

منطق القوة.. كيف تصاغ الأخلاق على مزاج المنتصر
أرسل إلى صديق

محمد خليفة عفان

إن الأرنب ليس -بالضرورة- خيّراً، لأن الخير لا يولد إلاً من القدرة على فعل الشر، إن العجز ليس خيراً على الإطلاق. الخيّرُ هو الوحش القادر على أذية غيره، لكنه اختار فعل الخير بكامل إرادته، هو الحر بالمعنى الكانطي. هكذا يرى جوردن بيترسون الأمور، وأرى أنا أن الأرنب حتى لو فعل الخير، لن يكون بتلك القيمة، لن يكتب عنه المؤرخون، ولن يخلده الشعراء. وحتى لو قال الرأي السديد فلن يُسْمع، ولن تتناقله الأجيال، لأنه كان قدَراً علينا منذ الأزل أن يكون تاريخنا هو ما يراه ويعتقده ويفعله الأقوى.

إنها الفكرة ذاتها التي نجدها في كليلة ودمنة، أن تاريخ الغابة هو تاريتخ الأسود، كما نجدها في غيرها: أن التاريخ يكتبه المنتصر. وسنرى فيما بعد أنه يكتب الأخلاق، والدين أيضاً. قيمة الفكرة تكمن في درجة الرعب التي يجب أن نشعر بها حين ندرك أن جميع منظوماتنا ليست نتاجا لحكمة آلاف السنين، وأن الرأي الذي وصلنا ليس الأصوب، وإنما الرأي الذي تبناه الأقوى، في الغالب بناءاً على مزاجه أو نزواته، ليبرره العقلاء بعد ذلك. إنها فتوى الحاكم المتغلب، ولكن بعيون الأدب الخيالي- fiction.

حين دخل القديس الأعلى غرفته وصلى لسبع ليال وسبعة أيام، كنوع من الإستخارة. ثم خرج ليعلن أن "إيغون تارغارين" هو الحاكم الشرعي للمالك السبع. وأهم من ذلك أن زواج الأقارب والأشقاء الذي عرفت به الأسرة مشروع من طرف الرب. لم يكن الأمر مفاجئاً على الإطلاق. رغم أنه ناقض عقيدته التي آمن بها، ودافع عنها لعقود. إلاً أن الملك كان يملك تنيناً قادراً على تحويل أي مدينة إلى رماد في دقائق. وحين تكون السلطة بتلك الدرجة من القدرة، يمكن للحاكم أن يغير الدستور، وحتى الحلال والحرام، ليناسب رغباته. وما يهمنا هنا أن الأجيال في "ويستروس" ستتربى بعد ذلك، وسيموت الآلاف من أجل القيم التي هي في حقيقتها ليست بقيم، مجرد رغبات أو أفكار منتصر أجازها رجل دين فأصبحت ثوابت يتصور السذج أن الحياة لا تقوم دونها.

ولو كانت الممارسات ذاتها تمت من طرف أسرة أقلاً شأنا، أو أقل قدرة على إسماع صوتها. فستتم محاكمة المتهمين ومعاقبة المتورطين، وسيبقى الفعل ذنباً وخطيئة إلى أن يتبناه الأقوى. باختصار إن النقطة الفارقة بين الإيجاز والمنع لفعل ما، ما هي إلاً نوع السلاح الذي يحمله مرتكبه، وليس الفعل ذاته. هكذا اختار جورج ر ر مارتين أن يعبر عن الفكرة في كتاب fire and blood.

المثال الثاني ربما يكون أكثر تعقيداً، هو من رواية age of myth، للأسف لم تصدر بعد ترجمة عربية للرواية، وهي جزء من سلسلة روايات خيالية للكاتب الأمركي مايكل سولافين، تدور أحداثها في عالم منقسم إلى قسمين؛ بشر وجن، الجن أقوى من البشر بمراحل لذلك يعيشون في منطقتين مختلفتين يفصلهما نهر، الأهم هنا أن البشر يعتقدون بألوهية الجن، يتجنبون غضبهم و يسعون لإرضائهم في المرات القليلة التي يصادفونهم فيها. الجن خالد لا يموت، قوي لا يهزم، سعيد لا يحزن..

لكن أحداث الرواية تنقلب تماما عندما ينشب خلاف بين "هوريكامر" وإبنه (ريث) من جهة، وأحد الجن/الآله من جهة أخرى، لينتهي بقتل "هوريكامر" البشري أولاً، ولكن الأهم أن البشري الثاني "ريث" قتل الجني أيضاً. في كل الأحداث التي تلت ذلك المشهد، سقت كل أنواع القداسة عن الجن، فقدوا هيبتهم، وبرغم أنهم عرفوا بالظلم وعدم الإنصاف للآلاف السنين، إلا أن الألوهية والقداسة لم تسقط إلا في لحظة الضعف.

هنا نرى الفكرة من الزاوية المقابلة تماماً، قانون الآلهة كان ساري المفعول لا يجرؤ بشري على خرقه، لكن لحظة الضعف غيرت كل شيء. صار الآن الجن على خطأ، وصار البشر قادرين على تحديد ما يناسبهم وما لا يناسبهم، ببساطة لأنهم قتلوا! وستتربى الأجيال بعد ذلك في منظومة مختلفة تماماً، منظومة تعادي الجن وتلعنهم، ليس لذنب أشاعوه أو لعمل ارتكبوه، بل لأن الجني قُتل، ولو قتَل لظل إلهاً في عيون البشر. يجب أن تنظر للمفاهيم والقيم التي وجدتها أمامك بشكل مختلف تماما، إن ما تحب وما تكره، ما تقبل وما ترفض، ليس ما تمليه عليك فطرتك السليمة كما تعتقد، هو في الغالب ما أملاه عليك المنتصر في صراع ما قبل مئات أو آلاف السنين. وصارع عرفاً، أو خلقاً حميداً، أو دينا ببساطة لأن صاحبه قتل قبل أن يقتل

المصدر: وكالات